الحلقة الزرقاء
سيمينار التقنية في التحليل النفسي
التحويل والتأويل في التحليل
الجلسة ٣
التحويل ورغبة المحلل
سنواصل في هذه الجلسة حديثنا مع فرويد عن التحويل في التحليل وعن التأويل في التحويل حتى نصل الى مسألة ما يسميه لاكان «رغبة المحلل». وينقسم هذا العرْض الى ثلاثة أجزاء.
- الجزء الأول نعود فيه الى ما أسماه فرويد بالتحويل السلبي ونُفصل فيه بعض الشيء نظرا لما له من عواقب قد تكون وخيمة في سيرورة التحليل.
- الجزء الثاني ينقلنا الى مفهومين أساسيين، تناول لاكان من خلالهما مسألة ما يسميه «رغبة المحلل». وهما مفهوم «الذات-مفترض-عارفة» ومفهوم «المحلل-شَبَه-الموضوع ا».
- أما الجزء الثالث فيستوقفنا حول حالة عيادية نموذجية، هي «حالة دومينك» للمحللة النفسية الشهيرة فرانسواز دولتو. نستوضح من خلال هذه الحالة مفهوم «الذات-مفترض-عارفة» ومكانته في سيرورة التحليل.
١- لنبدأ بمسألة التحويل السلبي عند فرويد وخلالها أتعرض لبعض الأوجه أو بعض المظاهر لهذا التحويل
من المعروف الآن أن فرويد قسم التحويل نوعين:
- التحويل الإيجابي: سماه هكذا لأنه يفيد التحليل. لماذا؟ لأن من خلاله يتم تواصل التداعيات، وإنعاش عملية التذكر، وإثراء عمليات الربط بين أحداث الحاضر والماضي، وإغناء ربط المشاعر والأحاسيس مع التصورات والأفكار والتعابير المختلفة، وتحفيز بروز التشكيلات اللاشعورية من خلال استحضار الاحلام وبزوغ زلات اللسان وتحضير إمكانية التأويلات الفعالة في تقدم التحليل...الخ.
- أما التحويل السلبي: فهو يسمى ها كذا لأنه يعيق التحليل وقد يؤدي إلى إفشاله إن لم يتم تدارك الوضع وتصحيح المسار. وهذا التحويل السلبي يتمظهر على طول خط أفقي تتنتظم فوقه المشاعر الوجدانية الممتدة بين قطبين متعاكسين، وهما قطب الكراهية أو الحقد من جهة وقطب الحب أو التعلق الوجداني من جهة أخرى:
١ – ففي جهة القطب الأول يتمحور تحويل عدائي أو عدواني:
يبدأ هذا التحويل في بعض الأحيان بإيقاف المتحلل لتداعياته. ويرافق هذا التوقف المؤقت أو المتواصل، اهتمام المتحلل المتزايد والصريح بمسائل جانبية تتعلق بشخص المحلل: (فمثلا نراه يبدي ملاحظات غير سَمْحة بخصوص منظر أو شكل المحلل أو ملبسه، أو مستواه الأكاديمي أو تأهيله أو حتى التشهير ببعض معارفه أو تنظيم مكتبه. الخ. وفي أشد هذا التحويل العدائي، قد يذهب الحال بالمتحلل الى شتم أو ضرب المحلل موازاة مع الانقطاع عن التحليل.
هذا من جهة القطب العدائي، قطب الحقد والكراهية.
٢- أما من جهة قطب الحب فقد يحصل لدى المتحلل تحويل عشقي في المحلل، يتجاوز حالة الثقة فيه كمحلل الى حالة تعلق حبي بشخصه، وإعلاء مفرط لآرائه. هذا التعلق الحبي بالمحلل قد يقف حجر عثرة في وجه مواصلة التحليل. هنا أيضا، كل انتباه واهتمام المتحلل ينصب على شخص المحلل فتتوقف التداعيات والترابطات التي يستوجبها تقدم التحليل. وهنا أيضا يفشل مسار التحليل إن لم يحصل تدارك الوضع وتصحيح المسار. إلا أن هذه الوضعية، وضعية التحويل العشقي، هي أصعب من حالة التحويل العدواني، السابقة الذكر. لماذا، لأنها قد تتماشى مع تضخم نرجسية المعالج وطلبه لمزيد من علامات التنويه والاكبار لشخصه، وتتماشى أيضا مع مقاومات أنا المتحلل في مواجهة هواماته النرجسية.
بالإضافة الى هذا التقسيم بداخل التحويل السلبي، يمكن إبراز تقسيم آخر يتعلق هذه المرة بمصدر التحويل.
١- هناك أولا ما يمكنني تسميته التحويل المقاوم: مصدره المتحلل. يقوم المتحلل بهذا التحويل المقاوم بطريقة لا شعورية كلما تقدم به التحليل نحو نواة عُقدية ما. بمعنى آخر، في مستهل تداعياته، يجوب المتحلل مسالك ودروب دلالية مختلفة ويزور أماكن وتماهيات نزوية سابقة. وفي ترابط تداعياته، تتقدم سلسلات الدوال في تفرعها وتقاطعها أكثر فأكثر نحو العقد النفس-جنسية المسببة لعرض ما. آنذاك تقوم ميكانيزمات الأنا اللاشعورية بالتعرض لهذا التقدم، كي تصده وتعرقل مساره، وذلك كي يبقى الأنا مستفيدا مما يقدمه له العرض من منافع ثانوية. وهي منافع اعتمد عليها وألِفها رغم ما تُسببه له من متاعب وما تتطلب منه من جهود شاقة.
اعطيكم مثالا أتت به ماري كاردينال في الفصل الثامن من كتابها «الكلام المباح». بعد أربع سنوات من التحليل، تبينت أنه يتوجب عليها، إن كانت تود فعلا أن تحصل على المزيد من التقدم في تحليلها، أن تواجه عرَضا كانت تحاول عدم الحديث فيه طوال الوقت. إنه عرض الهلوسة الذي يتجلى في عين كبيرة وقاسية تقف أمام ناظريها مرات عديدة في اليوم كلما كانت بحضرة أشخاص تتواصل معهم. حاولت هذه المرة التعرض رأسا لهذا العرَض لكنها سرعان ما غيرت موضوع حديثها عن الهلوسة الى موضوع آخر.
سأسرُد عليكم بعضا من كلامها مع المحلل في هذا الموضوع، وربما تذكرون هذه الفقرات. تقول ماري: «هكذا وجدتُني قد اقتحمت قلعة الهلوسة وبدأت بإفشاء سرها. لقد أصبحتُ على علم بأنني انتقلت إلى مرحلة هامة من التحليل. وإذا لم اجتهد في تحليل الهلوسة فلن يحصل لي تقدم بعد الآن ولن أتوفق أبدا في ولوج حياة متوافقة وسوية.
وأثناءها قال المحلل:
- أنبوب، يوحي إليك بماذا؟
بمجرد أن سمعت هذا السؤال، خامر ماري إحساس لخَّصته قائلة: لقد أزعجني كثيرا سماعه وهو يردد هذه الكلمات. لقد تبين لي ما كان يصبو اليه: أن أقوم بمعادلة بين أنبوب وبين صنبور من ورق أو خروجي من بطن أمي. وهذا خطأ. إنه تفسير بإمكاني الحصول عليه لوحدي لو كان الأمر بهذه البساطة. فساورتني رغبة ملحة في القفز من الأريكة والانصراف توا. إن هذه الدمية المتحركة والخرساء (هكذا تصف المحلل)، مع ما تصطنعه من هدوء العارف المتمرس ومن انعدام تأثُّره، أصبَحَت تُغيظني كثيرا. فصرخْتُ في وجهه:
- إنك من فصيلة الفاسقين من رجال الدين ولست أجَلَّ قيمة منهم. إنك القس الأكبر في ديانة البغاء لأنك تدفع دائما للحديث حول مسائل الفسق والدعارة. فكل هذا يثير تقززي وها أنا ذا أتقزز منك كثيرا. إنك شخص خبيث تقضي جل يومك في الاستماع إلى خبايا شهوانية الناس العفنة. إنك عفِن وكريه وإلا لماذا اخترتَ كلمة أنبوب؟ إنك تعرف جيدا بأن كلمة أنبوب لن تجعلَني أفكر في باقات ورود…
ها هنا تدخل المحلل بهدوئه المعهود:
- قولي وبدون تمحيص، سيدتي، فيما توحي لك به كلمة أنبوب.
أجابت ماري: - ... أنبوب يوحي الي بأنبوب. أنبوب هو أنبوب... أنبوب يفكرني في قناة... في نفق... أنبوب يفكرني في قطار. في أيام طفولتي غالبا ما كنا نسافر. لقد كنا نقضي فصل الصيف بفرنسا وبسويسرا. كنا نَقِلٌُ الباخرة ثم القطار. كان ينتابني الخوف من التبول داخل القطار. كانت لأمي مبادئ صارمة بخصوص النظافة إذ كانت ترقب الميكروبات في كل مكان...
وهكذا بدأت أفكاري تتطاير وكأني أُصبتُ بهذيان. التحقَتْ بيَ الفتاة الصغيرة على أريكة التحليل. وها أنا ذا أصبح تلك الفتاة الصغيرة. كنت في الثالثة أو الرابعة من عمري عندما نزلنا من الباخرة على الأرض الفرنسية». الخ. (أكتفي بهذا الاقتباس)
على المحلل إذا في هذه الحالات أن يتحلى بالصبر وأن يساعد المتحلل على تجاوز هذه اللحظات الصعبة لكنها مثمرة في آخر المطاف. فرويد، في محاضرته ١٧ تحت عنوان «معنى الاعراض» من كتابه «مدخل للتحليل النفسي» يعطينا على ذلك مثالا بخصوص امرأة كانت تقاوم استرجاع ذكرى مؤلمة، كانت سببا في عرَضها الوسواسي. ألخص هنا كلام فرويد وهو يقول: «في جلسات متتابعة، كنت أسألها المرة تلو المرة عن منشئ عرضها لكنها دائما كانت ترَدِّد بأنها لا تعرف. فاغتنمتُ الفرصة لمساعدتها في التغلب على تأنيب ضمير كان يساورها طول الوقت بهذا الخصوص. وفي يوم من الأيام، فاجأتني بتذكر المناسبة التي تسببتْ في تركيبة عرضها. الخ» (أكتفي بهذا الاقتباس). بمعنى آخر، تَقَدم التحليل نحو نواة العُقد النفسية بتعبير فرويد أو الدوال الأولية والركيزة بتعبير لاكان، تقابله وتواكبه مقاومات من طرف أنا المتحلل. فعلى المحلل أن ينتبه إلى هذا النمط من المقاومة ويساعد المتحلل على تجاوزها، لمواصلة تداعياته وتحليله.
٢- هناك كذلك وفي المقابل ما يسمى بالتحليل المضاد: مصدره المحلل وهدفه تعطيل مفعول التحليل. لهذا يجب تحليله لتجنب مفعوله السلبي في التحليل. هكذا كان موقف فرويد. كلما تحدث عن التحويل المضاد الا وطلب من المحللين التغلب عليه، إما بمواصلة تحليلهم الشخصي أو باستعادة مجراه إن هم أوقفوه في مرحلة معينة. إذا لا إمكانية في إنجاح عملية تحليل متحلليهم الا بتنقية رغبتهم في التحليل من شوائب النرجسية لديهم. أما لاكان فقد عرف التحويل المضاد معتبرا إياه «مجمل تصورات المحلل المسبقة».
بعد هذا المسار السريع مع فرويد، ننتقل الى لاكان لنتوقف معه على مفهومين أساسين في عملية التحويل، يؤديان بنا الى تكوين فكرة عما يسميه مسألة رغبة المحلل. وهذان المفهومان هما مفهوم «الذات-مفترض-عارفة» أولا « Le sujet-supposé-savoir » ومفهوم «المحلل-شبه-موضوع ا» « L’analyste-semblant-d’objet a ».
٢- مع لاكان: التحويل من مكان «الذات–مفترض–عارفة» الى مقام «شبَه-الموضوع-ا»
يظهر مصطلح «الذات-مفترَضة-عارفة» عند لاكان كنتيجة لتحوّل نظري طويل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بإعادة قراءته لفرويد وتقييمه للعملية التحليلية ككل متكامل.
ا- صياغة مصطلح «الذات-مفترَضة-عارفة»
في خمسينيات القرن العشرين، يؤكد لاكان أن «اللاشعور مبنين كلغة» L’inconscient est structuré comme un langage بمعنى أن اللاشعور يتضمن معرفة حقيقية، لكنها معرفة لا يعيها أنا الذات. وعندما يشرع المتحلل في الحديث، خلال الوضعية التحليلية، يَفترض ذاتا قد يمكنها سماع هذه المعرفة اللاواعية، ويمكنها الوقوف على حقيقتها وإيصال فحواها بشكل رجعي الى المتحلل. هذا الافتراض إذا، لا يتعلق فقط بمعرفة نظرية أو منهجية قد يمتلكها المحلل، بل هي معرفة من مستوى آخر. هي معرفة لاشعورية، مصدرها ذات الفرد وتخص سلاسل الدوال المكبوتة التي سبكت خيوط خطابه وتحكمت في سيرورة حياته. وهذا ما يجعلني أقتبس من الصوفيين مفهوم «العرفان» بشأن هذا النمط من المعرفة. هناك إذن بون شاسع بين المعرفة التي هي في أساسها موضوعية (بمعنى أنها مكونة من مضامين ومفاهيم نظرية ومنهجية) وبين ما يمكن أن نسميه «العرفان» الذي هو من قبيل مكنونات الوجدان والتي يُعرِّفها لاكان بكونها حقيقة الذات La vérité du sujet أو حقيقة اللاشعور La vérité de l’inconscient .
هكذا إذا يطرح لاكان اللبنة الأولى لفكرته التي تربط التحويل بالمعرفة: يبدأ التحويل من افتراض وجود ذات تعرف ما لا تعرفه ذات المريض عن نفسها. وهكذا فإن التحويل، وكذلك التأويل الذي ينجم عنه، يعظم ويتواصل مادام هذا الافتراض قائما.
وفي الستينيات، خاصة في سيميناره المعنون، المفاهيم الأربعة الأساسية في التحليل النفسي (1964) يصوغ لاكان هذا المصطلح ويحدد مضمونه بدقة. بالإجمال، يمكن القول إن «الذات-مفترَض-عارفة» لا تخص شخص المحلل، وإنما تخص المحلل كوظيفة منطقية يشغلها في الوضعية التحليلية. المحلِّل يشغل هذه الوظيفة فقط لأن ذات المتحلل تضعه فيها. بعبارة أخرى: التحويل بالأساس بحسب تعبير لاكان، هو حب موجه إلى ذات يفترَض فيها المتحلل معرفة حقيقته اللاشعورية. لكن على المحلل أن يعرف كيف يصون هذا الافتراض، ليس حبا في شخصه هو وإنما حرصا على انطلاق ومواصلة التحليل. بمعنى آخر، يجب على من يشغل مقام المحلل الا يحط أو ينتقص من قيمة هذا الافتراض من جهة والا يعتبر نفسه هو سيد الكل وعالم الغيب، من جهة أجرى. بمعنى آخر يجب على المحلل أن «يعرف كيف لا يعرف» وهذا تعريف جميل ودقيق، أتمنى أن تحتفظوا به في ذاكرتكم. أما بتعبير لاكان نفسه، على المحلل أن يتحلى بالجهل العارف L’ignorance docte.
إدخال مصطلح «الذات-مفترض-عارفة» في التحليل هو بمثابة نقد صريح وقاس لما آل اليه التحليل النفسي بعد فرويد وخصوصا في نهجه الأمريكي المسمى «سيكولوجيا الأنا». هذا التصور جعل المحلِّل يتوهم نفسه عارفا بمآلات الذات، وخبيرا بتقلبات الرغبة لدى المتحلل.
على عكس هذا المنظور يرى لاكان أن المحلِّل لا علم له مسبقا بالدَّوال المؤسسة لذات الفرد وما هو إلا داعم لافتراض هذه المعرفة بجانب المتحلل. وهذا الافتراض هو ما يزكي تداعيات المتحلل ويساعده على بسط سلسلة الدوال التي نسجت وتنسج خطابه، وصولا الى موضوع الرغبة المسبب لرغبته.
بفضل مصطلح «الذات-مفترَض-عارفة» يقوم لكان بأمرين مهمين بخصوص التحويل. أولا يقوم بفصل وظيفة المحلل عن شخص هذا الأخير. وهذا الفصل يتم بفضل توكيده على مفهوم الآخر. فمصطلح الآخر عند لاكان لا يخص شخصًا بعنه وإنما هو مكان اللغة والكلام. هو «كنز الدَّوال»Le trésor des signifiants الذي تمتح منه الذات دوالها التي بواسطتها ومن خلالها تحدد موقعها بداخل وقبالة آخَرها، هذ الآخر الذي لا تتكلم الذات إلا انطلاقًا من الدوال الممتوحة من بئره.
فعدم الأخذ بعين الاعتبار بمفهوم «الذات-مفترض-عارفة» في التحليل، يودي بالمحلل حسب لاكان، الى خطأين جسيمين: أولهما يتمثل في اعتقاده بأنه يعرف فعلا مكنون لاشعور المتحلل، وثانيهما أنه يقوم بخلط الآخر الرمزي بشخص المحلل الواقعي و المتخيل.
المحلِّل إذا لا يعرف مسبقا، لكن تُفترض فيه هذه المعرفة. وهذا الافتراض هو شرط التحويل التحليلي، وليس حقيقته أو كنهه. التحويل التحليلي هو حب موجّه «للذات-مفترَض-عارفة». بمعنى آخر إن التحويل ليس مجرد تكرار عواطف وأحاسيس وإنما له علاقة بالمعرفة. صيغة لاكان الشهيرة بهذا الصدد تقول إن «التحويل هو حب يتوجه الى المعرفة». .Le transfert c’est l’amour qui s’adresse au savoir
لكن هنا نقطة تجدر الإشارة إليها وهي أن التحليل، إن كان يعمل على تأكيد هذا الافتراض في البداية، ثم الاعتناء به وتحفيزه بما يكفي لمواصلة سيرورة التحليل، فإنه في الاخير يراعي إسقاطه في نهاية مساره. وهذا ما يؤدي بنا الى النقطة الثانية.
ب- نهاية التحليل: سقوط الذات-مفترَضة-عارفة
والأمر الثاني الذي يقدمه لاكان من خلال هذا المفهوم، هو فهم نهاية التحليل كإبطال لمفعول المعرفة المسبقة والمطلقة لدى الآخر. ذلك أن نهاية التحليل من منظور لاكان، تتطلب سقوط هذا الافتراض. لماذا؟ لأن هذا الآخر الذي نفترض فيه المعرفة ليس ضامنًا لحقيقة هذه الأخيرة. هو نفسه معتل وناقص وليس هناك من آخر فوقه يبرهن على حقيقة ما ينويه أو ما يظنه أو يتفوه به.
نهاية التحليل تعني إسقاط «الذات-مفترَض-عارفة»، بمعنى أن يتوصل المتحلل في نهاية المطاف الى اقتناع كامل في قرارة نفسه، بأن الآخر، أيا كان، لا يمتلك المعرفة الكاملة والنهائيةبخصوص حقيقة ذاته، مهما كانت مَرتبة أو مكانة هذا الآخر. لماذا؟ لأن هناك مجال يسميه لاكان مجال الواقعي وهو مكان من غير الممكن اختزاله في معرفة ما أو بين يدي آخر يمتلك هذه المعرفة.
وهذا ما يؤدي بنا الى تبيان العلاقة بين «الذات-مفترَض-عارفة»، وبين الموضوع «ا»، ورغبة المحلِّل.
٢- العلاقة بين «الذات-مفترَض-عارفة»، وبين الموضوع «ا»، ورغبة المحلِّل.
حتى الآن توقفنا على فكرة كون التحليل ينطلق مع شروع ذات المتحلل في الكلام، لأنها تفترض معرفة لدى المحلِّل، وهي معرفة تستفسر الذات من خلالها عن انقسامها وعن لغز أعراضها.
لكن لاكان سيوضح فيما بعد بأن ما يفعل فعله حقا في التحليل، ليست المعرفة المفترضة نفسها، وإنما هو شيء آخر يتعداها. شيئًا فشيئًا، سيبدو للمتحلل بأن المحلل لا يبقى في مرتبة من «يعرف ما أنا عليه» بل سيتموقع في محل «سبب ما يجعلني أتكلم». هنا بالضبط يبدأ الموضوع «ا» في التجلي. وهذا الموضوع ليس شيئًا موضوعيا، وليس محتوىً لا-واعيًا، الأنكى من ذلك أنه ليس شيئا قد يحصل على فهم أو معنى في آخر المطاف. إنه ما يتبقى خارج دخول الذات في نظام اللغة والكلام. إنه الباقي الناتج عن قسمتها وانقسامها بالكلام وفي اللغة. فهاذا المتبقي من دخولنا كذوات في اللغة والكلام، يبقى هو ما يحرك كلام الذات ويسبب رغبتها، من دون أن يكون لها الحظ في الإمساك به، في آخر المطاف. كيف يتم ذلك؟
في البداية تم إدخال وظيفة المحلل كذات-مفترض-عارفة. وكلما تقدم العمل التحليلي، تقدم تآكل هذا الافتراض. لان التحليل لا يهدف الزيادة في المعنى وإنما الانتقاص منه. لماذا لأن العصاب هو عبارة عن أكياس من المعاني التي فقدت انسيابها فتثبتت في عقد معقودة ومعقدة، أصبحت تثقل كاهل المريض فتعثر لسانه وأقدامه وتبلبل أفكاره وتأزم علاقاته وتخنق أنفاسه وتعطل مشاعره وتأجج أحاسيسه، الخ.
العمل التحليلي يعمل إذا على تآكل هذا الافتراض وليس العكس. وعند الاقتراب من النهاية يحل المحلل مكان الموضوع «ا»، الذي يكون مآله السقوط كذلك. مفهوم الذات-مفترَضة-عارفة ليس غاية في حد ذاته وإنما هو وسيلة تنطلق من المتحلل ويفعلها المحلل في سبيل نجاح العملية لتحليلية. ولهذا فمن المقدر له أن يسقط في نهاية المطاف.
وهنا يمكن للمحلل أن يقع في فخ يتمثل في خلط موقع المحلِّل بموقع العارف. كيف ذلك؟ إذا قبل المحلِّل هذا الموقع الذي يضعه فيه طالب التحليل. بمعنى أنه يرد كمالك معرفة وكخبير، فإنه لا محالة ينزلق خارج التحليل فتتصلب «الذات-مفترَضة-عارفة» وتصبح سلطة إما غاوية وإما متسلطة تعمل على تجميد التحويل.
لهذا يقول لاكان إن الخطاب التحليلي يبدأ بالفعل حيث تبدأ الذات-مفترَضة-عارفة في الاضمحلال. وهنا بالضبط يجب التمييز بين أمرين: أولا الذات-مفترَض-عارفة ضرورية لبداية التحليل. لكن الخطاب التحليلي هو بالضبط ما يجعل هذه الذات زائلة. بمعنى إنها طارئة في التحليل وتواصله، ومبنية منطقيا لتسقط.
لماذا يستعمل لاكان عبارة «شَبَهَ الموضوع «ا»؟ لأن موضوع «ا» ليس شيئًا ماديًا ولا شخصًا. إنه وظيفة منطقية تسبب الرغبة. لذلك فإن المحلِّل ليس هو الموضوع «ا»، وإنما هو شَبَهُه (هو شَبَه، وليس قناعًا أو خيالًا). وتعبير «شبه» يعني هنا أن المحلل يشغل موقعا بنيويا دون التماهي به.
ما يفعله المحلِّل بطريقة سالبة عندما يتموقع كشبه الموضوع «ا» فإنه يحاول ما أمكن،ألا يسرف في إشباع طلب المعنى، وألا يقدم نفسه كمثال أعلى، وألا يضمن المعرفة، وألا يغرق في شخصنة الحب التحويلي. عندما يعمل المحلِّل كشَبَهَ الموضوع «ا» فإن ذات المتحلل تتحدث انطلاقًا من نقصها. آنذاك يصبح افتراض المعرفة عديم الجدوى. لماذا؟ لأن الرغبة لم تعد تعتمد على الآخر العارف، بل تتغذى من السبب نفسه. لكن في النهاية المنطقية للتحليل، يتوقف المحلِّل أيضًا عن كونه شَبَهَ الموضوع «ا». فعند سقوط هذا الموضوع لا يوجد بعد ذلك أي ذات ضامنة للحقيقة، ولا آخر عارف. أما ما يتبقى فهي ذات مسؤولة عن علاقتها بالواقع، ورغبة بلا مُرسَل إليه.
يمكن تلخيص صيغة لاكان على الشكل التالي: يلزم على المحلل ألا يتبجح بمعرفة ما ولا أن يتماهى بموضوع ما، وإنما عليه أن يفسح المجال لوظيفة الموضوع «ا» فيعمل على تفعيله انطلاقا من تموقعه كشبه لهذا الموضوع. الغرض من ذلك هو أن تتاح الفرصة لذات المتحلل كي تواجه الموضوع سبب رغبتها.
وبالإجمال يمكن القول إن المحلل، كي يتمكّن من الحلول في مكانة شَبَهَ الموضوع «ا»، لا بدّ من شرط أساسي وهو ألّا يتماهى مع أيٍّ شخص أو أي شيء يسند هذا الموضوع. فما إن يتماهى المحلل مع موضوع ما من هذه المواضيع أو من هذه الأماكن، اِلا وتُغلق مباشرةً وظيفةُ الموضوع «ا» ويتوقف التحليل.
أما إن اتخذ المحلل بوصلة الموضوع «ا» لعمله التحليلي وقام مقامه كشبه، لن يكون همه الأول الإجابة على أي طلب لا يخدم مسار التحليل، ولن يكون همه إكمال المعنى الكامن وراء تداعيات وأفكار وسلوكيات المتحلل ولن يكون همه تقديم نفسه كمثل يحتذى أو مالك معرفة مكتملة. فمن مقام شَبه الموضوع «ا» لا يعمل المحلل إلا على إسناد حضور بلا قِوام ونقص فاعل وفعال وعِلّة بلا وجه.وهذا بالضبط ما يتيح للذات أن تتكلّم انطلاقًا من نقصها، لا مخاطبةً شخصا معينا أو صاحب رتبة أو منصب معين ولا حتى معرفة متميزة.
