الممارسات العيادية وخلفياتها الهوامية والأيديولوجية

                       


 

مداخلة ندوة مراكش

٥-٦ دجنبر ٢٠٢٥

عبد الهادي الفقير[i]

 

١- أنماط المعرفة وتكوين الذات

عرفت البشرية منذ وجودها على وجه البسيطة، ثلاث حقب تاريخية من حيث أنماط المعرفة. من خلال هذه الأنماط تم ويتم تفسير وتأويل علاقة الانسان بما حوله من عوالم وما يربطه من علاقات مع الآخرين: 

بكثير من الايجاز يمكن القول إن الحقبة الأولى تميزت بالمعرفة السحرية التي كان الانسان يحتمي بها من سطوة الطبيعة. وتميزت الحقبة التي تلتها بالمعرفة الدينية، خصوصا مع الديانات السماوية التوحيدية التي وضع فيها الانسان سطوة الطبيعة بين يدي إله قدير عليم. أما الحقبة الثالثة، فهي فتية العهد. لم يشتد عودها ويقوى بأسها الا خلال القرُون الخمس الأخيرة، حيث وصل الانسان خلالها الى الاعتقاد بأنه سيد الطبيعة. هذه الحقبة تتميز بالمعرفة العلمية أساسا ثم بالأيديولوجيات العِلموية التي تسخَّر لخدمة امبريالية الرأسمالية المتوحشة.

في المجتمعات الغربية، أصبح هذا النمط هو المرجعية الأولى والأخيرة، فتمكن من بسط سيطرته في المجال العام وتمكن من حصر النمط السحري والديني في نطاق السلوكيات الفردية وفي المرافق المجتمعية الهامشية.

هذا لا يعني أن المعرفة السحرية والدينية اضمحلت وانقرضت في هذه المجتمعات. كل ما في الأمر أنها أقصيت من الفكر المهيمن وأبعدت عن المجال العام لتستقر في الخلفيات الفكرية الجمعية وفي ذاتية كل فرد على حدة. ثم بفضل تقدمها التقني وتنظيمها الاقتصادي، فرضت هذه المجتمعات نفسها كمركز وكمرجعية على باقي أرجاء العالم خلال فترة توسعها وتسلطها الامبريالي الذي مازال ساريا حتى الآن، خصوصا في مجتمعاتنا العربية المغاربية والإسلامية.  

فإذا كان نمط الفكر العِلموي هو الذي يتصدر مشهد المجتمعات الغربية فكيف هو الحال في مجتمعات الهامش، خصوصا المجتمعات العربية الاسلامية؟

من أجل تصور أدق لهذه المجتمعات اقتبس مفهوما من بول باسكون، وهو باحث مغربي في العلوم الاجتماعية. أنطلق في أبحاثه من نظريات سمير أمين (المصري) وأندريه-غاندر فراك (الألماني) في تقسيمهما للاقتصاد العالمي بين دول المركز (الدول الغربية) ودول الهامش التابعة (باقي دول العالم). ركز باسكون أبحاثه، على المغرب كنموذج، وعممه على مجتمعات دول الهامش مسميا إياها بعبارة: Les sociétés composites، وهو مفهوم في نظري يقابله بالعربية تعبير «مجتمعات خليطة أو مختلطة» وليس فقط تعابير مثل «مجتمعات معقدة» compliqués أو «مركبة» complexes كما تمت ترجمته في العادة. 

في هذه المجتمعات تتواجد مختلف أنماط الإنتاج الاقتصادي والتنظيم السياسي وفي مقدمتها النمط القبلي والنمط الرأسمالي، وتتداخل فيها مختلف أنماط التفكير من سحر وتدين وعلمنة. تتلاحق وتتلاقح فيها لغات مختلفة، (فهناك طبعا العربية بشقيها الرسمي والدارج وهناك الفرنسية أو الانجليزية أو الاسبانية) وهي لغات تتراتب وتتدافع بحسب القيمة التي تحظى بها في فترة من الفترات التاريخية. في هذه المجتمعات بمختلف لغاتها، الفكر السحري فعال دائما والفكر الديني مسيطر بقوة والفكر العقلاني والعلموي له قسط مهم من الفعالية، وقد يتآزر أحدهما مع الآخر لتصدر المشهد لبعض من الوقت. 

نفس الشيء بخصوص الممارسات العيادية والتركيبات الإمراضية. نجد كل هذه الأنماط الثلاثة فعالة بدرجات متقاربة، بشكل متزامن لكن على انفراد أو بتآزر بعضها على حساب الآخر. فهناك إذا الممارسات السحرية، تُجاورها الممارسات الدينية وكذلك الممارسات العِلموية مع ما يرافق كل منها من مرجعيات تأويلية وتركيبات امراضية ومَنهجيات عملية. 

٢- إشكالية علاقة الذات بالآخر وصراع الأيديولوجيات

فلو ألقينا نظرة ولو خاطفة فيما يكتبه أهل الاتجاه العلموي[ii]، نجدهم يتسرعون إلى القول بأن الذاتية غير موجودة في الثقافة العربية وأن ذات الفرد العربي تتهمش وتذوب كلية في الجماعة، (ص. ٨) ويرُدُّ آخر بكل بساطة بإن «الفرد المسلم، في نموذجه الأغلب الأعم، يعمل دون أن يتقن عمله، ويكتب دون أن يغوص في أعماق ذاته وتناقضاتها» (ص. ١٦) ويتلاقون في القول بإن الانسان العربي المسلم، شخص «لا ذاتية له» (ص. ٢١) الخ. إنه كلام مغرض حقا ولا يتعدى القذف بالشتائم وتبخيس الانسان العربي لنفسه. وهكذا نصل الى الخلاصة بأن: «الخيار الفردي ملغى ولا وجود له في ذهنية الانسان العربي» (ص ١١٣). الخ، الخ.

هذا الكلام وإن كان يصدر عن هؤلاء بحسن نية، لأنهم يأملون تطور وعقلنة مجتمعاتهم على وتيرة ونبرة المجتمعات الغربية، يذكرنا بما رمى به أطباء العقل الاستعماريون، القدامى منهم والمعاصرون من سخافات في وجه مستعمَرهم العربي المسلم[iii] وغيره من شعوب الأرض المستعمرة. 

أما الإنسان الغربي، في كل فترة من فترات تاريخه الكبرى، لم يُرِد رؤية إلا وجه واحد من هذا الإنسان العربي المسلم، وكأن هذا الانسان كي تستساغ رؤيته لا يمكن أن يكون إلا أحادي البعد لا عمق له ولا أفق. سرديات الصليبين حددته منذ قرون في صورة وحش الغاب. وما وجد فيه مستعمر أول أمس الا قاصرا يلزم تحضيره وتربيته وما رأى فيه مستشرق البارحة إلا شهوانيا يشتهى به. أما سياسىيُّ اليوم فيطيب له أن يعتبره متزمت إرهابي وفي الأخير يأتي دور مواطن التواصل الرقمي العادي ليعتبره ربما ضحية تستحق الرثاء. كيف لا وهو يتلذذ عن بعد بسماعه يردد «الحمد لله، الحمد لله»، تحت وابل قنابل الإبادة الجماعية.

في هذا النوع من الاعتبارات، يتم عمدا وفي كل الأحوال، تجاهل علاقة النفس الحقة بالثقافة، علاقة الذات بالآخر، وبكل دقة، علاقة الرغبة بالشرع. إذ لا علاقة لرغبة من دون شرع أو قانون يؤطرها ويهذبها ولا شرع بدون رغبة تحركه وتُفَعله.

بالمناسبة، أشير الى أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة كتابين في الأقل: كتاب القرآن وكتاب ألف ليلة وليلة، بمعنى آخر كتاب الشرع وكتاب الرغبة. الكتاب الأول قرأ الرسول محمد آياته وروت شهرزاد فصول الكتاب الثاني. وهما كتابان لهما امتداداتهما بشكل تراتبي. فبعد القرآن هناك سيرة الرسول، وسِيَر أهل البيت والصحابة ثم تأويلات وتفاسير المتكلمين والفقهاء. وبعد كتاب الليالي هناك الروايات والقصص والمسرحيات وحلقات جامع الفنا ودواوين الشعر، من جهة أخرى. فكتاب القرآن وكتاب الليالي لا يستغني أحدهما عن الآخر كمثل قطعة العملة التي لا ينفصل وجه منها عن الوجه الآخر. وربما هذا هو سر الآخر في الحضارة العربية الإسلامية وسِرُّ الذات التي تواكبه، تماما كما يقول لاكان إن الرغبة هي الشرع ولا شرع بدون رغبة. 

يعطي لاكان على ذلك دليلا عياديا[iv]، تجدُر اليه الإشارة في هذا السياق. يتعلق الامر بكاتب عربي استشار لاكان لأجل القيام بتحليل نفسي. من بين أعراضه العصابية أنه لم يعد قادرا على مزاولة مهنته ككاتب إذ تجسد لديه هذا العرض في شلل باليد اليمنى. 

الغريب في الأمر هو أن لا أحد من المحللين العرب ولا حتى من المتفرنسين، أشار الى هذا المثال واستقى من عبره، وكأنه جزئية لا فائدة من الوقوف عندها أو كأنهم ما زالوا لا ينظرون فيما يمكن الاهتمام به إلا بالمنظار التخيلي لمشايخهم الغربيين.

مع العلم أن لاكان آنذاك كان مُنكَبا على إدخال النسق الرمزي في مجال التحليل النفسي، وهو نسق تم تجاهله في التنظير وفي الممارسة التحليلية التي كانت سائدة بعد فرويد والتي انغمست حتى العنق في اعتبارات تخيلية تحط من قيمة التحليل. يتوجه لاكان الى المحللين الحاضرين آنذاك في سيميناره قائلا: «بما أنه ليست لكم بعدُ درايةً بهذا النسق بسبب ما حصلتم عليه من تعليم في التحليل النفسي. فلربما تعتقدون أنني قد تجاوزت الحدود. إن هذا الاعتقاد واهٍ بالأساس، وسأبين ذلك معتمدا مثالا يخص أحد مرضاي، جاء عندي بعد تحليل سابق قام به مع محلل آخر». كلام لاكان هذا يدل على أن اللحظة عظيمة والخطْب جَلل وهذا المثال العيادي لا يقلهما قيمة. 

فعلا، جاء هذا الكاتب عند لاكان بعد أن انفصل عن محلل سابق استشاره لمدة طويلة لكن هذا الأخير لم يفلح في تحليله. تبين لاكان أن فشل التحليل السابق يرجع أساسا إلى كون هذا المحلل اكتفى باعتبار العرض وكأنه ظاهرة فردية بحتة، لا علاقة لها بالوسط الاجتماعي والثقافي الذي تكونت فيه شخصية المريض. لقد تعامل المحلل الأول مع العرض فقط من خلال العناصر الفردية المكونة لشخصية الفرد من نزوات وهيئات وآليات مقاومة تتصارع فيما بينها، في ديناميتها الداخلية. 

هذا لا يعني أن لاكان رمى هكذا بنفسه في نزعة ثقافية بحته. لقد خاض صراعا قويا مع ممثلي هذه النزعة التي لا تحلف إلا بالانتماءات الطائفية ولا ترى في الأعراض وفي النفس بصفة عامة إلا نتاج المضامين الثقافية السائدة. انتقد لاكان هذه النزعة بشدة في سيميناره الرابع «تشكيلات اللاشعور» من خلال أحد ممثليها، إيريكسون الذي تعمد تفسير حلم فرويد الشهير «حقنة إرما»، تفسيرا ثقافيا محضا ما أفرغ هذا الحلم، بحسب لاكان، من تساؤلات فرويد حول رغبته القوية والخاصة باكتشاف التحليل النفسي وما واكبها من مقاومات وانتكاسات نرجسية لديه. 

وصلت هذه النزعة الثقافوية الى حد الغباء الفكري والانغماس المطلق في التخيلي الذي وصل له هذا التيار مع أحد وجوهه الحاليين وهو طوبي ناتان[v] الذي استغل المضامين الثقافية في تنظيراته كوسائل للتعتيم عن هواماته النرجسية وتوجهاته الأيديولوجية.   

لنرجع الى لاكان مع مريضه العربي. رأى لاكان أنه من غير الممكن فهم عرض هذا المريض والتعامل معه تحليليا إلا بالسماح للمريض استجلاء الدوال التي تتحكم في تركيبته النفسية، في عصابه وفي تشكيلة عَرَضه. إنها دوال ترسبت في لاشعوره بحكم تصارع رغباته الفردية مع قوانين التشريع الاسلامي الذي يشكل أساس مرجعيته التخيلية والرمزية لبنيته النفسية. وهنا يمكننا القول كذلك بأن لا ذات بدون آخر يبنيها ويؤطرها ولا آخر بدون ذات تجسده وتدعمه. وما هي الا مسألة توازن بينهما في حركتي اقتراب وابتعاد.

لن أدخل في تفاصيل هذه الحالة. فضيق الوقت يدعونا لقراءتها في النص الفرنسي للسيمينار أو حتى من خلال الترجمة العربية التي أعطيته إياها.

لكن لا يفوتني هنا أن أذكر بما قاله لاكان بهذا الصدد: «إننا لم نتخل أبدا عن القضايا التي تطرحها علاقات رغبة الفرد بكافة النظام الرمزي والذي هو مدعو، بكل معنى الكلمة، لاتخاذ مقام له بداخله. إن لزوم وجود بنية عقدة أوديب لن يعفينا عن ملاحظة بنيات أخرى بنفس المستوى في مجال القانون بإمكانها، في حالة معينة، أن تلعب دورا ذا تأثير مماثل. وهذا ما توقفنا عنده في هذه الحالة العيادية الأخيرة».

هكذا نرى أن لاكان من خلال حالة هذا المريض العربي، تكلم عن حالة التحليل النفسي في زمانه، وتكلم عن مسألة نهاية التحليل العويصة وكذلك تكلم عما سماه مسألة التكوين الإنساني للمحلل، وبالمجمل، تكلم عن الإنسان في جـَمْعه وفي خصوصيته. الغريب في الأمر وما أثار ويثر انتباهي هو أن هذا المثال العيادي وما تضمنه من اعتبارات نظرية وعيادية، لم يلفِتْ نظر ولا أحد من المحللين العرب، كما أسلفت.     

وقد يقول قائل إن هذا الكلام مر عليه الزمن، وأن لاكان انتقل الى مفاهيم أكثر دقة وحداثة، مفاهيم من قبيل الجسم الناطق والسينتوم، والمتعة ...الخ.

للرد على هذا الافتراء ألتمس العون من صفوان الذي يفتتح إحدى محاضراته العشر في التحليل النفسي قائلا: «إن الأوجه التي يتخذها الفعل التحليلي أثناء الخبرة التحليلية تبدو متعددة بقدر ما تكون غير متوقعة. إلا أنها تمشي في نفس الاتجاه الذي يصبو إلى التخلي يقينا عن «متعة التسلط» بل وبتعبير أدق، عن «تسلط المتعة» التي هي أعظم بأسا. من هذا المنظور يمكن اعتبار التحليل عملية تَحرُّر من ثقل كابوس هذه المتعة. لكن ليس من المؤكد أن كل مريدي التحليل يطمحون إلى هذا التحرر، إذ أن البعض منهم يفضلون التمسك بأشكال البؤس هاته التي تم نعتها أعراضا وصدا وقلقا، بدل تخليهم بما تُواصل هواماتهم تزويدهم به من أحاسيس الاعتداد بالنفس».

 

 هكذا حال بعض المتحللين بحسب صفوان، لكن ما بالك بمحللين، يقفون على قمة أهرام تجمعات تحليلية، وهم يرزحون تحت كيد تسلط هاته المتعة العاتية. وليس فقط يتعامون عن ذلك أو يفتعلون تجاهل هذا التسلط بل يعمدون الى الرمي به على رقاب الآخرين سواء كانوا متحللين أو حتى منتمين لثقافات مختلفة. 

٣- إشكالية التماهيات الأيديولوجية ومسألة اكتمال التحليل

في هذا الوقت بالذات، بعض المحللين النفسانيين الذين فعلوا ويفعلون كل ما في وسعهم للبروز على وسائل الاعلام والتواصل المختلفة [vi]. نراهم ونسمعهم ينصبون أنفسهم ابواقا للأيديولوجية الصهيونية العالمية بدون تردد ولا حرج.

إنهم لا يتوانوا عن تبرئة الجرائم ضد الإنسانية من خلال دفاعهم المستميت على سياسييهم الصهاينة وجيوشهم المعدة لتقتيل الأطفال والنساء ونسف المباني وتصحير الأراضي وتهجير السكان وتعذيب السجناء الممنهج. يعتبرون أنفسهم جهابذة في التحليل لنفسي لكنهم لا يتغاضون عن استغلال مغرِض للمفاهيم اللاكانية، استغلالا مُشبَع بهواماتهم المحصنة بأيديولوجياتهم العنصرية، وما يتخللها من استثناء عرقي، ومن تفرد بالنظام الرمزي ومن رفض مطلق لغيرية الغير واعتبارها الداء المطلق اللازم محوه من الوجود.   

من المفترض ان يكون تحليلهم قد مكنهم، بعض الشيء من تنقية رغيتهم من يقينيات الهوام وشوائب النرجسية. كيف يعقل ان يبلغوا هذا الحد من عمى البصيرة؟ هل يعقل الا يجنبهم تكوينهم التحليلي «المفترض انساني» من تبرئة الجرائم ضد الانسانية باستغلال مفاهيم لاكانية أو غيرها؟ هل يعقل ألا يحصنهم تكوينهم التحليلي ليس فقط من متعة التسلط وإنما من تسلط المتعة بحسب تعبير صفوان، وهم الذين ينصبون أنفسهم بكل وقاحة في منصب العارفين انطلاقا من الخطاب التحليلي؟

فرويد نفسه، لو سألناه في قبره، ما أظن أنه يتراجع لحظة في التبرؤ من أمثال هؤلاء. لقد كان يهودي الأصل يعتز بثقافته اليهودية لكنه ظل بعيدا عن الأيديولوجية الصهيونية. كان يعتبر نفسه يهوديا من حيث الثقافة والمصير، لا من حيث الإيمان أو البرمجيات الايديولوجية. لذا فهو لم يندرج أبدا تحت مظلة الصهيونية، لأنه كان يخشى أن تُعيد هاته الايديولوجيا إنتاج أشكال التعصب الديني والقومي، وهو ما حصل بالفعل، ويتواصل الآن في أبشع الصور.

لقد كان فرويد، على العموم يرتاب من كل نزعة مثالية جماعية، ويرى في التحليل النفسي عملًا يخص ذات اللاشعور وليس البرامج المجتمعية. وحتى المحللين النفسيين الأوائل (أبراهام، فيرينزي، رانك، وغيرهم) اللذين كانوا يهودا، سعوا الى إعطاء التحليل النفسي طابعا كونيا، متحررًا من أي اعتقاد يقيني أو هوية جماعية، فما بالك إن كانت تنافي مبادئ الإنسانية كما الحال مع الصهيونية وداعموها.

كي اختم حديثي، أحتكم مرة ثانية لما قاله صفوان بخصوص قضية الاعتقاد من منظور التحليل النفسي وعلاقته بمسألة اكتمال التحليل. يقول: «التحليل النفسي يجعلنا ننأ بأنفسنا عن تماهياتنا، وربما أيضا يجعلنا قادرين على النأي بأنفسنا عن كل المعتقدات، عن المعتقدات بصفة عامة. لكن هذا لا يعني بأننا نبقى عرضة لكل شيء، فنبتلع كل ما يأتينا من آراء، بل هذا يعني بأن أطروحة ما، لا تنفصل وتتميز عن غيرها إلا بقدر ما يُبذل من جهد وجِد في عرض البراهين والأدلة للدفاع عنها[vii]».

    
مراجع

- العروي عبد الله، الايديولوجية العربية المعاصرة، دار ماسبيرو، القاهرة، سنة ١٩٦٧.

- صفوان مصطفى، حب الله عدنان، إشكاليات لمجتمع العربي، قراءة من منظور التحليل النفسي، الدار البيضاء، إصدارات المركز الثقافي العربي، ٢٠٠٨.

- بناني جليل، التحليل النفسي في البلدان الإسلامية، ترجمة أحمد العمراوي، دار طوبقال للنشر، ٢٠٢٠ 

 

- Amin Samir, Le développement inégal. Essai sur les formations sociales du capitalisme périphérique, Paris, Éditions de minuit, 1973.

- Bercherie Paul, Clinique psychiatrique clinique psychanalytique. Études et recherches, Paris, L’Harmattan, 2005.

- Bercherie Paul, Histoire et structure du savoir psychiatrique. Les fondements de la clinique, Paris, L’Harmattan, 2004.

- Canguilhem Georges, « Qu’est-ce que la psychologie », Revue de métaphysique et de morale n° 1,1956.

- Canguilhem Georges, le normal et le pathologique, 2° éd., Paris, PUF, 1966.

- Collectif, La psychanalyse et le monde arabe, In La célibataire, revue de psychanalyse ; clinique, logique, politique, n° 8, 2004

- Elfakir Abdelhadi, « Le rêve de faire sans l’inconscient dans le rêve ; le projet anti-freudien de Tobie Nathan », inédit.

- Lacan Jacques, Le séminaire, livre 1, Les écrits techniques de Freud, (1953-1954), Paris, Seuil, 1971.

- Lacan Jacques, Le séminaire, livre 17, L’envers de la psychanalyse (1969 1970), Paris Seuil 1991.

- Pascon Paul, « La nature composite de la société marocaine », Bulletin économique et social de Maroc, n° 155-156, 1986.

 



[i] محلل نفسي بفرنسا، أستاذ سابق في علم النفس المرضي والعيادي بالجامعات الفرنسية، مترجم كتب ومقالات في التحليل النفسي. تفحص الموقع: https://elfakir-arab-nafs.blogspot.com

[ii] على سبيل المثال صفوان مصطفى، حب الله عدنان، إشكالية المجتمع العربي؛ قراءة من منظور التحليل النفسي، تقديم: أدونيس، المركز الثقافي العربي، الدار البيضا، المعرب، ٢٠٠٨. 

[iii] نبهنا إليها ج. بناني في حينه، في كتابه «التحليل النفسي في البلدان الإسلامية»، ترجمة أحمد العمراوي، دار طوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ٢٠٢٠.

[iv] Jacques LACAN, Le séminaire, Livre I, Les écrits techniques de Freud, (1953-1954), Paris, Éditions du seuil, 1975. P. 220- 223.

[v] Abdelhadi ELFAKIR., « Le rêve de faire sans l’inconscient dans le rêve (Le projet anti-freudien de Tobie Nathan) ». https://elfakir1257.blogspot.com/p/le-reve-de-faire-sans-linconscient-dans.html

 

 [vi]  Jean Jacques MOSCOVITZ, « l’a-sémitisme ou comment mettre les juifs hors monde », Vidéo de 37 minutes, postée sur YouTube le 07/09/2025 :  https://www.youtube.com/watch?v=C3i3LUrUZJ0

[vii] مصطفى صفوان، «اكتمال التحليل ومسألة عبور المحلَّل الى مقام المحلِّل»، من كتاب: فرويد/لاكان/صفوان؛ في التحليل النفسي – حوارات في محاور، إعداد وترجمة: عبد الهادي الفقير، دار نينوى، دمشق، سوريا، ٢٠٢١.