التحويل والتأويل في التحليل النفسي ملاحظات أولية


 


سيمينار التقنية في التحليل النفسي

الحلقة الزرقاء

٢٠٢٥-٢٠٢٦

 

الجلسة الثانية

-------------------------------------------

 الفقير عبد الهادي 

 

١- من التنويم والإيحاء الى التحويل

 

 

١-نبدأ بخصوص تطور موقف فرويد من التنويم وأوجز هذا الموقف في ثلاث مرحل

 

- في مرحلة أولى، قام فرويد بالإشادة بالتنويم لمساهمته في اكتشاف اللاشعور ودوره في اختفاء الأعراض. يقول في دراسات حول الهستيريا «لقد حققنا نجاحات رائعة بالتنويم العميق. ففي بعض الأحيان كانت الأعراض تختفي فورًا بعد استرجاع الذكرى المرضية تحت التنويم، مصحوبة بالعاطفة المناسبة».

– في مرحلة ثانية، بدأ ينبه الى بعض سلبياته، منها مثلا تجنب الصراع النفسي والقفز على مقاومات المريض: يقول في المرجع السابق: «التنويم لا يُمَكن الطبيب من نفاذ أعمق إلى نفسية المريض؛ فهو لا يفعل سوى استبدال مقاومة المريض بإرادة الطبيب نفسه. إضافةً إلى ذلك، فهو يَقصي من التحليل مجالًا كاملًا من الخبرات: مجال صراع المريض ضد المقاومة، وهو الصراع الذي ندين له تحديدًا بأثمن الإيضاحات» (نهاية الاقتباس). 

 

وهذا ما يؤكد عليه، بتعبير آخر، في محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، حيث يقول بلسان المعالج: «لقد منَحَنا التنويم، في الواقع، نوعًا من السلطة السحرية على المريض، لكنه لم يُعلِّمنا شيئًا عن صراعه الداخلي. فالفرد المنوَّم كان يطيع، لكنه لم يكن يفهم شيئا. أما نحن فبإمكاننا إزالة عرضٍ ما، ولكن من دون أن نحلّ المشكلة النفسية التي أنشأته. ولهذا اضطررنا إلى التخلّي عن هذه الطريقة الجذّابة، واعتماد الطريقة الأكثر مشقّة، ولكن أيضًا الأكثر خصوبة، أي طريقة التداعي الحرّ وتحليل المقاومات ».

- أما في مرحلة لاحقة، أخذ فرويد يحذر من مخاطر التنويم ليتخلى عنه نهائيا ويعوضه بالتداعي الحر عبر عملية التحويل. بهذا الخصوص يقول في محاضراته: «العلاقة التنويمية في ذاتها أمر فريد. في تلك الحالة، يخضع المريض خضوعًا تامًا لشخص الطبيب، كما لو أنه تخلّى عن إرادته الخاصة. هذا الخضوع يُوقظ حتمًا لدى الطبيب إحساسًا بالقوّة، ولدى المريض تعلقًا لم يكن خاليًا من الالتباس. وقد فهمنا لاحقًا أن هذه العلاقة، التي نسمّيها تحويلا، يجب الحفاظ عليها، ولكن دون إثارتها اصطناعيًا بواسطة التنويم. إذ إن تحليلها وحده هو الذي يجعل منها أداة علاجية، لا خطرًا».

في هذه الفقرة الأخيرة يصوغ فرويد نقده الأوضح للتنويم. فهذا الأخير، رغم فعاليته الظاهرية، يمنع العمل التحليلي في الواقع. لماذا؟ لأنه يتخطى مقاومة المريض وهذا ما يجعله مغريًا من الناحية العلاجية، لكنه في الوقت نفسه يَحْرم المتعالج من الوصول إلى العملية النفسية اللاواعية، تلك التي لا تنكشف إلا عبر استثارة الصراع، والتوتر بواسطة التداعي الحر.

 

٢ – ننتقل الآن الى الفقرة الثانية والتي تخص موقف فرويد من الإيحاء

 

فرويد لم يبتعد عن التنويم فقط وإنما أيضا عن الإيحاء، وهذه نقطة يجب أن ننتبه إليها جيدا بحيث سيتم من خلالها التمييز بين التحليل النفسي وباقي العلاجات النفسية منذ فرويد حتى الآن. 

 

لو رجعنا الى شاركو لحظة، نجده يعتبر التنويم حالة مرضية من طبيعة هستيرية وأصله خلل فيزيولوجي، لذا كان يستعمل أو يوقظ التنويم لدى الهستيري ثم يوحي له بإطلاق العنان لنوبته أما الحاضرين وذلك للبرهنة على فرضياته التجريبية. أما فرويد فكان في حاجة ملحة الى طريقة للعلاج وفي هذا المسار أثارت انتباهه أعمال أحد الأطباء المعالجين بالتنويم في مدينة نانسي بفرنسا اسمه بيرنهايم. راقت لفرويد أفكار بيرنهايم بخصوص العلاقة بين التنويم والإيحاء لرجة دفعته لترجمة أحد كتبه الى الألمانية، عنوانه «الإيحاء وتطبيقاته العلاجية» كتبه سنة ١٨٨٦. 

 

على عكس شاركو، بيرنهايم يعتبر التنويم ظاهرة طبيعية وغير مَرضية. أكثر من ذلك، يقلب الآية ويعتبر التنويم حالة من حالات الإيحاء وربما هو من أعلى درجات الإيحاء، وأن قابلية الفرد للإيحاء هي ما يشكل القاسم المشترك بين بني البشر. لذا كان بيرنهايم يعالج بالإيحاء سواء تحت التنويم أو خارجه. وهكذا أصبح الإيحاء المباشر مصدرا للعلاج ومنبعا للشفاء، وما التنويم إلا إحدى وسائله. 

 

سَعِد فرويد بهذه المعطيات لكن سرعان ما تبين نواقص هذه الطريقة ومنها كونُها عملية مبهمة لأنها تغفِل منابعها الليبيدية وغير ملمة بالآليات النفسية التي تتفاعل خلالها. يقول لاكان بهذا الشأن Une pratique (thérapeutique) n’a pas besoin d’être éclairée pour opérer فيما معناه أن أي ممارسة علاجية، تقليدية كانت أو علموية، ليس من الضرورة، كي تفعل فعلها، أن تكون على بينة من عوامل فاعِليتها.

 

لهذا تجدر الاشارة هنا الى أن الإيحاء هو مصدر وركيزة كل العلاجات النفسية والسلوكية وحتى الدوائية. لنتصور خطا عموديا تتناثر عليه تسميات العلاجات النفسية او السلوكية أو المعرفية التي لا حصر لها. ولنضع في القطب الأيمن الممارسات المتسلطة التي تعتمد التأثير المباشر كمنهج L’influence. نجد في مقدمتها مثلا مناهج مشايخ الطوائف، والرقاة، والخطباء، ومديري العقول والمؤثرون المحدثون في المكاتب أو على النيت. أما في القطب الأخر فتَتَراص العلاجات التي تعتمد منهج ما يسمى التعاطف.L’Empathie  وفي كل الأحوال، كل يريد الخير لبعضه على أساس أن لا يتجاوز الجميع تقاسم الهوام المشترك.

 

أما التحليل النفسي فعلى العكس، همه الأول هو التقليل من تأثير الإيحاء، بالكشف عن الهوام واختراقه، عن طريق إفراغ محمول التحويل من تكتلاتٍ مدلوليه ومن تثبتاتٍ مُتَعِيةبمعنى أخر كلما تقدم التحويل نحو ضموره في التحليل، بمعنى أن يتبين المتحلل بأن المحلل «كان صرحا من خيالٍ فهوى»، كما تقول الاغنية، كلما قل منسوب الإيحاء وتلاشت قدراته التنويمية، فردية كانت أو جماعية.

 

٣ – مسألة التحويل في مختلف الممارسات العيادية

 

وهكذا، انطلاقا من معيار التحويل يمكن تقسيم الممارسات العيادية الى أربعة أنماط:

 

- النمط الأول يمكن أن نسميه «ممارسة بدون تحويل»Clinique sans le transfert  هذه الممارسة تشمل التخصصات والعلاجات التي تركز على الاعراض وتعتمد على برمجيات يتم تطبيقها على المرضى. ففي العلاجات السلوكية/المعرفية وما شابه TCC, EMDR, PNL, ... الخ، يتم التركيز على الاعراض بصفتها اضطرابات سلبية ومرَضية ويتم إرجاعها في نهاية المطاف الى خلل على مستوى الجهاز العصبي. في هذا الإطار، يُعتبر التحويل بمثابة متغير طفيلي أو عامل مُخِل بسيرورة العالج، يجب حذف مظاهره ومفعوله.   

 

- النمط الثاني يمكن تسميته «ممارسة مع تحويل»  Clinique avec transfertوتشمل التخصصات والعلاجات المسماة سيكو-دينامية. هذه الممارسة تشمل مقابلات تشخيصية أو إرشادية أو علاجية وتعتمد في ذلك أيضا على بطاريات من الروائز. وبالمجمل تهدف هذه الممارسة الى إعطاء معنى لتعابير وإحساسات وسلوكيات الزبناء أو العملاء التي قد تبدو مبهمة وملغزة. 

هذه الممارسة ترتكز على مرجعيتين أساسيتين:

- مرجعية الطب العقلي وما يقدمه من تصنيفات للأمراض العقلية والاضطرابات النفسية.

- ومرجعية العلوم النفسية والفلسفية بما فيها التحليل النفسي كنظرية تفسيرية لما تقدمه من مضامين نفسية وترتيبات دينامية. مع العلم أن فصل مضامين التحليل النفسي ومفاهيمه عن ممارسته الحية، يجعل منه علما فارغا وخال من أي فعالة. 

 

هذه الممارسة كما قلنا تقر بوجود التحويل لكن تجعل منه أحد إكسسوارات ما يسمى بـ«إطار المقابلة» لا أكثر. فهي في الأغلب تكتفي بملاحظة وجوده وتأثيره، بدون الاعتماد عليه وتفعيله ثم استنزافه كما سنرى مع التحليل النفسي.

 

أبعد من هذين النمطين، هناك التحليل النفسي الذي، إن أمكن القول، هو «ممارسة بالتحويل» وتنقسم هذه الممارسة الى نوعين:

- النوع الأول يتعلق بالممارسة المتداولة في إطار الجمعية الدولية للتحليل النفسي.

- هذه الجمعية أسسها فرويد سنة ١٩١٠ من أجل حماية المفاهيم التحليلية والممارسة الناتجة عنها من الضياع وكذلك من أجل نشر التحليل وضمان تواصله عبر العالم. وهذه بعض مميزات هذه الجمعية، أسوقها بإيجاز شديد: 

- من الناحية النظرية، ينطلق منتسبوها من مفاهيم فرويد لكنهم يسوغونها عبر مشارب ثقافية وفكرية متعددة. فانتشرت بداخلها توجهات نظرية مختلفة وحتى متعارضة في بعض الأحيان. على سبيل المثال، كانت أنا فرويد في تعارض وتصارع مستميت مع ميلاني كلاين؛ المدرسة الامريكية سمت نفسها «سيكولوجية الأنا» معلنة جهرا عدم اعتمادها اللاشعور الفرويدي؛ بيون نحت مفاهيم لم يألفها تابعو فرويد ...الخ.  وكذلك نشأت توجهات بحثية تحاول الربط بين التحليل النفسي ومجالات أخرى فظهرت تخصصات تكاملية كالتحليل النفسي الإثنولوجي Ethnopsychanalyse، أو العصبي Neuropsychanalyse، أو الاجتماعي    Sociopsychanalyse الخ. محاولين بذلك العثور على موضوع التحليل النفسي الذي أصبح يفلت منهم، بإضافة معطيات وركائز مكملة من خارج التحليل النفسي.

 

- كل هذا التعدد والتصارع النظري والفكري وكذلك التفتت المفاهيمي بداخل الجمعية، تم تعويضه بضبط شديد لما سيمي بالإطار التحليلي Le dispositif analytique. فالكل اتفق وبانضباط صارم على ما يسمى بـ«إطار التحليل» ويتكون من العناصر التالية:

- ثلاث جلسات في الأسبوع وأقل من ذلك لا يعتبر تحليلا

- جلسة تدوم ٤٥ دقيقة بالضبط 

- سعر الجلسة محدد، فلا زيادة ولا نقصان  

- أريكة أصبحت مرادفة لعملية التحليل وكأن تحليلا من دون أريكة غير ممكن.

- خلال هذا الإطار يتم تركيز المحلل على تحويله الضاد ويجهد من خلاله على تأويل وتفسير مقاومات المريض بخصوص كيفية استقبال وتقبل هذا الأخير تأويلات المحلل. لذا فهي «ممارسة تحليل التحويل» Clinique du transfert.

 

- أما النوع الثاني فيخص الممارسة التي تعمل تحت التحويل Clinique sous transfert وهي الممارسة التحليلية اللاكانية التي ترتكز بالأساس على خطاب المتحلل وما يكتنفه من تسلسلات دلالية تكشف في ترابطاتها عن مكامن الرغبة لديه وأيضا ما يبين عنه هذا الخطاب من مرافق تثبيت المتعة في مسار حياته.

 

- ما يميز لاكان عن سائر المحللين المنضوين في إطار الجمعية الدولية هو أنه أعاد النظر في كافة جوانب التحليل من تنظير وممارسة وتكوين، في إطار مشروع متكامل أسماه «العودة الى فرويد» بمعنى الرجوع الى روح التحليل وليس الى شكلياته. في هذا المشروع سيقطع لاكان مع البيولوجيا كمرجعية وسيعتمد اللغة والكلام لأن التحليل يقوم بالكلام ولأن الشعور مبنين كلغة كما قلنا ولا يتجلى إلا من خلال الكلام. لهذا قدم لاكان تحديدات مفاهيمية صارمة يتقاسمها ويناقشها كل الذين ينضوون تحت تعاليمه. أما بخصوص الممارسة فقد حررها لاكان من الترتيبات القهرية التي أوقعها فيها أصحاب الفكر المتشتت، فجعل هذه الممارسة تسترشد برغبة المحلل في استتباب خطاب المتحلل وليس بوسواس التحويل المضاد عند المحلل.  

 

 

 

 

٢- بين التحويل والتأويل 

عند فرويد ولاكان

 

بشكل عام، يمكن القول إن التأويل في التحليل النفسي هو إحدى العمليات المركزية في العمل التحليلي. يرتكز التأويل على التحويل أساسا وينصبُّ على كلام المتحلل وما يأتي به من أحلام وذكريات وأحداث وما يتخلل هذا الكلام من نسيان أو زلات لسان أو تقطعات أو ترادفات وتكرارات وكذلك ما يؤزم سلوكياته من تصرفات وأفعال فاشلة أو قهرية...الخ. يتمثل التأويل إذا في كشف المعنى أو المعاني الكامنة خلف كلمات المريض أو أفعاله أو أحلامه أو أعراضه.

يفترض التأويل كلاما حرا وطليقا من طرف المتحلل، ويتطلب من طرف المحلل، إصغاءً متواصلا متوازي الانتباه؛ فهو لا يبحث عن تماسك السرد، بل ينتبه إلى كل ما يشير إلى أثر الرغبة اللاشعورية لدا ذات الفرد.

سنقتصر هنا على الحديث في التأويل الذي يحدث تغييرا إيجابيا في سيرورة التحليل وهو من ثلاثة أشكال:

١- ملامح التأويل

- أولا، تواصل التداعي خلال التحويل، يؤدي في أحيان كثيرة الى تأويلات لدى المتحلل لم تكن تخطر له على بال. فنسمعه تارة يقول مثلا «حتى الان ماكنت أرى الأمور بهذا الشكل» أو «تبين لي الآن أنني كنت دائما أعنف نفسي» أو يقول «كنت أتصرف وكأنني مجبرا على فعل كذا وكذا لكنني الآن توقفت ومع ذلك لم يصبني أذا، بل أحس بارتياح كبير» ... الى غير ذلك من التعابير التي تدل على أن المتحلل يقدم تأويلات تحليلية بقدر تواصل تداعياته وانسياب شبكة الدوال التي حددت معالم عصابه.  تأويلات من هذا القبيل قد تحدث حتى خارج التحليل. 

ها كم هذه القصة. قصتي أنا أحكيها على صيغة الغائب. كانت الفترة صعبة جدا في متوسط تحليله الشخصي. منذ شهور كانت تعترض المتحلل إشكالات مختلفة تتعلق بعلاقته بأبيه. في تلك الفترة من التحليل كان مبلبل الفكر ومكتئب الوجدان. كان له إحساس عميق بأن هذه المسألة تعترض وتكدر تقدمه في التحليل. 

في يوم من الأيام، ذهب الى مكتبة قسم علم النفس الثرية بالمراجع المتخصصة بالتحليل النفسي فطلب كتبا من بينها أطروحة الدكتوراة التي قدمها محلله قبل أشهر قليلة. وضع الكتب على طاولة، وما إن بدأ بتصفح كتاب محلله حتى تملكه ذهول لمَّا قرأ في الصفحة الأولى ما معناه أن المحلل فقد أباه وأخاه في لحظتين متقاربتين جدا قبل تقديم أطروحته.

أحس المتحلل لحظتها بنوع من الارتياح الداخلي حيث تمكن من ربط التعثر الذي تخلل تقدمه في التحليل وما أتي على قراءته للتو، ومن ناحية أخرى أحس بكثير من التعاطف مع المحلل الذي عانى الأمرين في ذلك الفقد المضاعف. ذهب المتحلل الى جلسته اللاحقة في موعدها، فشرح للمحلل ما حصل في المكتبة وكيف ربط بين تعثر تحليله في وقت حداد المحلل ثم قام بتقديم العزاء للمحل، ولو بعد زمن، لِما حل به من خطب عظيم. سكت المحلل ولم يقل شيئا آنذاك. أما المتحلل فلم ير بأسا في ذلك لأن تحليله منذ اللحظة وجد طريقة للتقدم الى محطة لاحقة. مع ذلك كان يتمنى لو أن المحلل رد التعازي لحظتها بخصوص هذا الحدث الإنساني، إلا أنه لم يفعل أما هو ومنذ مزاولته للتحليل فلا يبخل ولا ينس، أيا كانت الظروف، أن يقدم تعازيه الحارة لكل من فقد أهلا أو أحبة من بين متحلليه، ولو منذ زمن طويل.

- وأحيانا أخرى يقوم المتحلل نفسُه بتأويل حلم أو كلام قاله أو سمعه أو سلوكٍ بَدَر منه أو من غيره، فيعمل هو وبدون تدخل المحلل مباشرة، على إبراز معنى أو معاني خفية كانت متسترة ومنغلقة عن وعيه، أو يعمل على تفكيك شبكة دوال يَبْرُز من خلالها بعضٌ من تمظهرات رغبته. في جلسة إشراف مع لاكان، حدثت لمصطفى صفوان هذه القصة الطريفة: 

يقول صفوان: «في عام 1953، كنتُ أستعدّ للعودة، مُتهيئًا لاستئناف عملي في إحدى الجامعات المصرية وقد أعلمني الدكتور زيور بالمسؤوليات التي ينوي تكليفي بها، وكانت تبدو لي ساحقة. تحدّثتُ إلى لاكان بلهجةٍ امتزجَ فيها الاحتجاج بالشكوى. فقال لي ببساطة: «لا ترفضُ ما تُعطى». إلا أن هذا الجواب رغم بساطته أطلق لدي بالكامل عملية إعادة تنظيم علاقتي بالطلب.

والأجمل، يضيف صفوان، أنّ لاكان قال ما قاله وهو لا يعرف شيئًا عن أحداث طفولتي التي كانت وراء بنيتي النفسية، ولا عن الموقع الذي كنتُ أشغله حينها، ذلك الموقع الذي حدّد كل مواقفي في مجال العرْض والطلب. وهكذا فإذا كان الاستذكار لا يفسّر البنية، فإنّ لمس هذه الأخيرة قد يسهّل كثيرًا عودة الذكريات». ص. ٣٦٨-٣٦٩

وفي هذا السياق، يحضرني حلم قصير جدا لكنه غريب ومدهش حضر أثناء تحليلي الشخصي. رأيتُني بكثير من العدوانية أحمل فأسا أشق به ركبة أحد الممثلين الفرنسيين المشهورين اسمه Depardieu. بالمناسبة، ملامح هذا الممثل تتشابه الى حد ما، مع ملامح المحلل وكذلك مع ملامح ابن خالة، يكبرني بكثير، كنت أبجله لتميزه الدراسي. عرضت هذا الحلم على المحلل كالتالي: Je piochais le genou de Depardieu بعدها مباشرة ومن دون تدخل المحلل تبادر الى ذهني معنيان وهما كالتالي Je piochais le Je-Nous en deux parts بما معناه «أَشُق الأنا من النحن صنفان» أما المعنى الثاني فهو: Je piochais Dieu en deux parts. بما معناه «أشطر الإله شطران». كلِا المعنيان يدلان على مدى حساسيتي لمفعول الدال. كنت آنذاك أناقش تحليليا ولحسابي مسألة الذات بتفردها وعلاقتها بالآخر المجتمعي والجمعي المتمثل في شخص الواحد الأوحد. في مثل هذه التأويلات يبدو جليا للمتحلل أنه فجأة، يمر بلحظة حاسمة في خطابه ومرورا، في درب حياته.

التأويل هنا لا يصدر بالضرورة من طرف المحلل وإنما من طرف المتحلل أيضا. لكن بطبيعة الحال، التأويل منوط بالمحلل لأنه هو الذي يدير العملية التحليلية بكاملها، من أولها الى آخرها. المحلل يدير التحليل ولا يدير المتحلل ما يقول لاكان، L’analyste dirige la cure mais pas l’analysant.  

بالتأويل يحاول المحلل لمس ما يفلت من وعي المتكلم في كلامه. هدفه إيقاظ وتحريك اللاشعور وليس ترجمته أو التعليق عليه من خارج إطار تداعيات المتحلل. يحضرني هنا مثال تلك السيدة التي قصدت أول مرة معالجا نفسيا وأخبرته بحلم حصل لها في أحد الليالي السابقة. حلمٌ شديدُ القصر لكنه مرعب. رأت رأسها ينفصل عن جسدها بضربة سيف. هذا كال ما في الأمر. وبغض النظر عن الحيطة والحذر الذين يفرضهما هذا النوع من الأحلام. من المتوقع على الأقل من معالج أن ينتظر بعض تداعيات المريضة بخصوص ما أتت على قوله. لكن ما فاجأها للتو هو أن المعالج بادرها قائلا إن مضمون الحلم هو عقدة الإخصاء لديها. واسترسل يعرض عضلاته المعرفية على المريضة التي كانت هي نفسها نفسانية حديثة التكوين. ولربما كان المعالج يحاول إبراز قدراته أمامها. انتهت الجلسة، وانصرفت بدون رجعة. لماذا لأنها كما قالت، لم تقصد المعالج لتسمع منه مثل هذه البديهيات الفارغة وثانيا لأنه كمَّم فَمَها طيلة الجلسة بترَّهاته التخيلية.   

عمليًا، التأويل في التحليل ليس شرحا يقدّمه المحلل كمُمْتلك معرفة، وإنما هو فعل كلامي محدّد، يحصل في لحظة مباغته أو مختارة من طرف المحلل، لإحداث أثر في كلام المتحلل وفي ذاته كذات متكلمة وراغبة. 

 

٢ـ التأويل مع فرويد

لنتوقف لحظة مع فرويد. يتناول فرويد مسألة التأويل في إطار مجموعة من المفاهيم استقى بعضها مما كان متداولا في زمانه ونَحَت بعضها الآخر. من بين هذه المفاهيم هناك اللاشعور، الصراع النفسي، المقاومة، الليبيدو، التحويل، الجهاز النفسي وهيئاته مثل الهو والانا والانا-الأعلى، وهناك أيضا مضامين تحليلية مثل الهوام، النرجسية، عقدة أوديب، عقدة الاخصاء وكذلك آليات الكبت في العصاب والإنكار في الشذوذ الجنسي والإلغاء في الذهان...الخ

في هذا الإطار المفاهيمي، يرى فرويد أن اللاشعور هو مستودع المضامين المكبوتة: مضامين تتكون من رغبات، وتمثلات، وانفعالات تم استبعادها من الوعي لأنها غير منسجمة مع متطلبات الأنا أو الأنا الأعلى. يهدف التأويل إلى رفع الكبت والافراج عن المكبوتات لتلتحق بمستوى الوعي. من هذا المنظور، يقوم المحلِّل بتأويل الأحلام وزلات اللسان والأعراض لاستخراج المعنى الكامن فيها. الغاية من التأويل هي استرجاع المكبوت من طرف المريض وقبوله ثم إدماجه على مستوى الوعي. لذلك فالتأويل عند فرويد هو بالأساس كشف عن معنى موجود مسبقًا لكنه مستتر ومختفي عن بصيرة المريض. مفاد التأويل إذن هو ترجمة لغة اللاشعور، التي هي لغة رمزية ومجازية، إلى لغة الشعور والوعي. 

وباختصار، عند فرويد المعنى موجود، متضمن ومستتر، والتأويل يكشفه ويعيده إلى الوعي. يعطينا فرويد مثالا على ذلك بخصوص امرأة يستحوذ عليها طيلة اليوم عرَض قهري يجعلها تتنقل من غرفة الى غرفة في منزلها وتقوم بتصرفات غريبة ومرهقة لا تعرف كنهها. (سوف نعود الى هذا المثال مع السيمينار المقبل في الوسواس). أما الآن فيكفي الإشارة الى أن مساعدة فرويد لهذا السيدة على مواصلة التداعي، مكنتها من استخلاص مضمون تصرفها القهري بعد بضع جلسات. تبينت حينها، وكأن لسان حالها في كل دورة من دوران سلوكها القهري يقول جملة واحدة لا غير، وهي: «كلا، ليس ذلك صحيحا، وما كان له أن يخجل، فهو لم يكن عاجزا جنسيا». وحتى تكتمل الصورة بعض الشيء أضيف فقط أن هذه السيدة قبل عقد من الزمن، تزوجت رجلا مسنا لم يتمكن في فض البكارة ليلة زفافها وكل عرضها مفاده تصحيح وضعية الزوج بعد التماهي به لا شعوريا. هكذا يدلنا فرويد إلى أن العرض العصابي جله كلام، كلام عن معنى متنكر في شكل من أشكال الاعراض التي هي في الواقع كلام مبطن ومتستر لرغبات مكبوتة. 

   

٣- التأويل مع لاكان

أما عند لاكان، يأخذ التأويل منحًى مختلفا بعض الشيء: فهو ليس شرحًا لمضامين نفسية كامنة، بل هو فعل يغيّر موقع الذات في خطابها، وذلك من خلال لمس واستجلاء ما لم تكن تدري أنها بصدد قوله. فالتأويل هنا بمثابة حدث طارئ، مفاجئ يحدث ويخترق الكلام المباح. بمعنى آخر، بالنسبة للاكان، ليس المقصود هو شرح أو ترجمة محتوى لا شعوري، بل التدخل في سلسلة دوال خطاب المتحلل

نلاحظ بادئ ذي بدء، أن المفاهيم المستعملة مع لاكان هي مفاهيم يختلف بعضها عما كان مألوفا مع فرويد. من بين هذه المفاهيم التي أدخلها لاكان في التحليل نكتفي الآن بالإشارة الى بعضها مثل الذات، الآخر الكبير، الدال، الخطاب، وكذلك الرغبة والمتعة في تنافرهما... الخ. وهذه المفاهيم اللاكانية لا تقصد الاستغناء على المفاهيم الفرويدية واستبدالها بل تبغي تدقيقها وتنقيتها من شوائب الميتافيزيقا أو البيولوجيا.

من المعروف أن لاكان، في بداية سيميناراته، أعاد قراءة فرويد في ضوء البنيوية واللسانيات. أثناء هذه الفترة حط لاكان من شأن الأنا. هذا الأنا الذي هو عند فرويد بمثابة التركيبة الوسيطة بين مختلف هيئات النفس المتصارعة، وبمثابة الهيئة العاقلة والمتعقلة المزعومة، التي تَلُم شمل النفس وتوائم بين الأطراف المتصارعة وإن كان هو الخاسر دائما في آخر المطاف. 

أما بالنسبة للاكان، فالانا، ما هو إلا مجمع إكسسوارات متناقضة ومتنافرة مُشَبها إياه بمِعطف المتشرد ذي ألف قطعة قُماش. ففي مكان هذا الأنا-المِجْهلة، رَفع لاكان من قيمة الذات الناطقة لكنه – ويجب أن ننتبه جيدا الى هذا الأمر - لم يعطيها أي مضمون ميتافيزيقي ولا جوهر أنطولوجي ولا حتى تفسير سيكولوجي، فهو يعرف الذات كالتالي: «هي ما يمثله الدالُ لدال آخر» وعرف الدال كذلك على نفس الوتيرة بأنه «ما يمثل الذات لدال آخر». وهكذا أصبح الدال والذات يُعَرِّف أحدهما الآخر تعريفا دلاليا وليس مدلوليا. وفي نفس الوقت عرف اللاشعور بقولته الشهيرة: «اللاشعور مُبَنين كلغة». L’inconscient est structuré comme un langage

من هنا لم يعد هدف التأويل هو كشف محتوى خفي أو متستر، بل إحداث رنين في الدالّ. فهو لا يسعى إلى الفهم، بل إلى إحداث تحوّل وربما انقلاب في كلام الذات. لا يهدف إلى إضافة معنى إلى معنى آخر، بل إلى زعزعة المعنى المتراكم، وإدخال نقص في موضعٍ كان يُظَن به يقينا أو معرفة. فما يهم ليس حقيقة المحتوى، وإنما أثر القَطع أو الفصل الذي يُحدثه في خطاب الذات — وهو الأثر الذي يُعيد هذه الذات إلى الحركية والرغبة.

تحضرني هنا لحظة من تحليلي الشخصي. أتيت للجلسة بحلم قصير جدا لكن يتخلله نوع من الغرابة. في مشهد الحلم كنت أنظر وأنا في السادسة أو السابعة من عمري لأمي وهي متمددة على الفراش من جراء مرضها بداء السل المستفحِل. لكن عوض أن أراها تنزف دما كما اعتدتُه في طفولتي، كنت في هذا الحلم أنا من تنزف عيناي دماJe saigne des yeux . فما أن انهيت سرد هذا الحلم القصير حتى فاجأني المحلل قائلا: Un Dieu qui saigne «إله ينزف دما»، وأوقف الجلسة تاركا إياي أتأمل مشهد هذا الملك الذي كانت عيناه تنزف دما أمام معاناة أمه وإمكانية قضاء نحبها في ليلة وضحاها. 

فالتأويل عند لاكان مرتبط بالدال وبالخطاب وهو بذلك يكون في أغب الأحيان مقتضَبا، وفي بعضها ملتبسًا، إلا أنه في الغالب قاطعًا — يهدف إلى زعزعة المعنى وإفراغه بدلًا من إشباعه كما قلتُ سابقا. إنه لا يكشف عن حقيقة خفية، بل يشير في اتجاه الرغبة ويدفع الى أعلى مستويات التذويت.

التأويل ليس هدفه إقناع المريض، هدف التأويل هو إحداث نقلة في خطاب الذات بحيث لا تبقى هذه الأخيرة على المستوى وفي الموضع التي كانت عليه من قبل بين الدوال. يُعَرفه لاكان أيضا بكونه عملية تُحدث تموجات على مستوى الذات. فهو يحرّك المعنى، ويُثير دهشة وانفعالًا ويفتح مجالًا جديدًا للربط والتداعي.فالمتحلل لا يفهم دائمًا فورًا ما حصل وما يحصل، لكن شيئًا ما يتحوّل في علاقته بعالم الدوال وبذاته الراغبة.

المحلِّل لا يؤوِّل بشكل متواصل، بل ينتظر اللحظة المناسبة، تلك التي يفتح فيها كلام المريض فجوة في المعنى.
وقد يكون التدخّل على أشكال مختلفة: مثلا يقوم المحلل بقول عبارة تُبرز ازدواجًا في المعنى؛ أو يقوم بتكرار كلمة نطق بها المريض قد تؤدي الى معنى أو معاني مختلفة؛ وهناك أيضا عملية قطع الجلسة عند كلمة أو لحظة من حديث المتحلل يعتبرها المحلل ذات قيمة في سيرورة التحليل. وفي غالب الأحيان يلزم المحلل الصمت كوسيلة تأويلية تتيح لبعض الدَّوال أن ترنّ بشكل مفاجئ وملغز في أذن المتحلل. 

بهذا الخصوص، يحضرني مثال ذلك المتحلل الذي، في مستهل حديثه خلال جلسة من الجلسات، أراد أن يقول كلمة لا أهمية لها في الواقع. أراد أن يقول كلمة Finalement كي يربط بداية جملته بآخرها. لكن لسانه زل وازلقت من فمه كلمة Fisalement. بمعنى آخر، لم يتغير في الكلمة إلا حرف واحد حيث حل حرف s في الكلمة التي صدرت منه محل حرفمن الكلمة التي كان يريد النطق بها. يمكننا القول إن ذات اللاشعور Le sujet de l’inconscient، برزت هنا بالضبط خلال تمريرة بين دال ودال. بين الدال n والدال s

التقط المحلل هذا الحدث المفاجئ وأوقف الجلسة وهو يعيد متسائلا على مسامع المتحلل نفس الكلمة، قاسما إياها الى نصفين Fis-alement ?. في الجلسة التالية، بادر المتحلل في الحديث مباشرة عما كان يؤرقه ويكدر أيامه ولياليه، إلا انه لم يكن قادرا على مفاتحة المحلل به حتى الان. لقد كان منذ سنوات متشككا في أبوة أبيه إذ كانت تراوده ظنون بأنه ربما Fils allemand بمعنى أن أباه في الواقع قد يكون جنديا ألمانيا، شاءت الأقدار وظروف الحرب الكبرى أن يلتقي بالمرأة التي ستصبح أمه ويتركها حاملا به.  وهكذا انطلقت من جديد سلسة طويلة من الدَّوال التي تحكمت في حياتها وفي مقدمتها «ربن ألماني» كدال سيد< 

معنى هذا بالإجمال أن لا تحليل بدون تحويل وأن التحويل يشغل طُول مدة التحليل. مفاده أيضا أن التحويل والتأويل عملية ديالكتيكية بحيث يتم التأويل اعتمادا على التحويل وفي نفس الوقت، التأويل يؤدي الى تحول في التحويل وإلى تقدم في التحليل أو الى الإخلال به مؤقتا وحتى توقفه. في النهاية يمكن القول إن التحليل ينتهي بانتهاء التحويل على المحلل. وسقوط التحويل على المحلل يمكن أن يفتح المجال للتحويل من أجل العمل بالتحليل (إعادة تجربة اكتشاف مفعول اللاشعور مع آخرين والعمل على نقل التحليل النفسي إلى أجيال لاحقة)