دولتو «حالة دومينيك»
ترجمة وتعليق
فرانسواز دولتو إحدى أكبر المحللين النفسانيين الفرنسيين (١٩٠٨-١٩٨٨)، رفيقة جاك لاكان. أحدثت تحولًا عميقًا في فهم الطفولة من خلال التأكيد على أهمية الاستماع إلى الطفل واحترام كلماته ورغباته. أثرت أعمالها في الممارسات العلاجية والتربوية مع الأطفال والمراهقين ولا تزال أفكارها حتى اليوم مرجعًا أساسيًا في التحليل النفسي للأطفال.
«حالة دومينيك» كتاب نُشر عام ١٩٧١. يعرض الكتاب فيما يقارب ٢٥٠ صفحة من القطع الصغيرة، المتابعة التحليلية النفسية لدومينيك، وهو مراهق عمرة ١٤ سنة، يعاني من اضطرابات نفسية خطيرة، من بينها الرهاب المدرسي وشعور عميق بالقلق.
من خلال تحليل حالته، تسلط دولتو الضوء على الصراعات اللاشعورية التي تعذّبه، لا سيما التوترات العائلية والصعوبات المتعلقة بهويته. خلال الجلسات، تُفكك دولتو كلمات دومينيك، وإيماءاته، وصمته، مظهرةً كيف أن معاناته متجذرة في تاريخه العائلي وعلاقته بوالديه. يتم التركيز على أهمية اللغة الرمزية ودور اللاشعور في بناء التكوين النفسي للطفل.
بفضل العلاج التحليلي، يتمكن دومينيك تدريجياً من التغلب على مخاوفه واستعادة توازنه. تعكس هذه الحالة منهج دولتو ونهجها في التحليل النفسي، حيث يعدّ الاستماع إلى الطفل والاعتراف بمعاناته أمرين أساسيين في شفائه.
I
ترجمة مقتطفات
(Dolto Françoise, Le cas Dominique, Paris, Le seuil, 1971. Ci-dessous des Extrait significatifs regroupés sous la direction de Roland Chemama et publiés dans Psychanalyse, textes essentiels, Paris, Larousse, 1993).
ترجمة: عبد الهادي الفقير
الجلسة الأولى
دومينيك يدخل المكتب وهو يحمل التشكيل الذي صنعه «للسيدة في المركز»، والذي اختار له العجينة الخضراء. تشكيل نموذجي من ذلك النوع الذي يصنعه بشكل نمطي في العلاج منذ زمن طويل. يتحلى دومينيك بالهيئة التي وصفتُها قبل قليل. يتكلم بصوت أنفي متكلف ومرتفع للغاية، لا ينظر الى مخاطبه. يتفادى النظر عمدًا ويرمق بطرف عينيه من تحت الجفون نحو تشكيله الذي يلمسه ويرْبُت عليه برفق بطرف أصابعه.
- أقدّم نفسي إليه وأسأله إن كان لديه ما يقوله ليشرح لي كيف يشعر في داخله.
- قال بابتسامة قلقة، متصلبة: «حسنا، لست مثل الآخرين. أحيانًا عند استيقاظي، أفكر أنني عشتُ قصة حقيقية. (هذه هي كلماته الأولى في اتجاهي والتي تم نقلها هنا بدقة).
- قلتُ له: «قصةٌ جعلتك غير حقيقي؟»
- هو: «هذا هو! ولكن كيف تعرفين ذلك؟»
- أنا: «لا أعرفه، بل أخمنه وأنا أراك.»
- هو: «كنتُ أظن أنني سأجد نفسي في القاعة عندما كنتُ صغيرًا. كنت أخشى اللصوص. قد يأخذون المال، قد يأخذون أواني الفضة. فأنت لا تتصورين ما قد يمكنهم أخذه». ثم سكت.
- أنا، أفكر في نفسي: « La salle«القاعة»، أليست هي La sale «الوسخة»؟» فقلتُ: «أو ربما أختك الصغيرة؟»
- هو: «آه! يا إلهي، كيف تعرفين كل شيء؟»
- أنا: «لا أعرف شيئًا مسبقًا. لكن لأنك تقول لي بكلماتك أشياء، وأنا أصغي إليك بأقصى جهدي. أنت الذي تعرف ما جرى لك، لا أنا. لكن معًا، قد نفهم الأمر.»
يصمت.
- انتظرت قليلًا، ثم قلت: «بماذا تفكر؟»
- هو: «أبحث عما لا يسير على ما يرام في الحياة. أود أن أكون مثل الآخرين. على سبيل المثال، عندما أقرأ درسًا عدة مرات، أنساه في اليوم التالي. لا أتمكن من حفظه. أحيانًا أجد نفسي أغبى من الآخرين. أقول لنفسي: هذا غير لائق (Je déraisonne) . (قال هذه الكلمة وقد قطَّعها إلى ثلاث مقاطع مشددة وبإيقاع مرتفع).
- أنا: «صحيح، tu déraisonnes. أرى أنك تدرك ذلك. ربما تَنَكّرتَ في هيئة مجنون حتى لا تُوبَّخ.»
- هو: «آه، لا بد أن يكون كذلك. ولكن كيف تعرفين كل هذا؟»
- أنا: «لا أعرفه. لكن أرى أنك تنكرتَ في صورة أحمق أو مجنون، وأنت لست كذلك، لأنك تدرك الأمر وتريد أن تتغيّر».
ثم يعود مرارًا إلى هواجسه بشأن جدول الضرب.
- قلت له إن ذلك لا يهمني، وإن حساباته من أجل المدرسة ليس هو ما يعنيني، وإنه لم يأت لرؤيتي لأنني معلمة، بل لأنني دكتورة لأساعده كي يعرف كيف لا يكون مجنونًا، وأن يستطيع حينها أن يفعل مثل الآخرين حقًا، إذا كانت له الرغبة، في كل مكان وليس فقط في المدرسة مع الأرقام.
- قلتُ له أيضًا: إن المهم في الحياة ليس ما تفعله مع الدروس والدفاتر وكتب المدرسة، بل هي طريقتك كلّها في الحياة، في أن تكون غير حقيقي، وكل ما يجري في قلبك ولا تريد قوله. لقد رأيتُ أمك قبل قليل وتحدثتُ معها، وسألتقي أباك. (شرحت لدومينيك أننا لن نشرع في العلاج من دون الأب، إن لم يكن برغبته، فعلى الأقل بموافقته). آنذاك نبحث سويا عمّا يمنعك من أن تكون مثل الآخرين.
بعد الجلسة الرابعة
تعليق فرانسواز دولتو
لنعد إلى ما حدث عند ولادة الأخت والثورة التي أحدثتها، سواء داخل العائلة، أو في سلوك الأشخاص المحيطين بدومينيك، أو في تأثيراتهم التعبيرية، أو في بنية دومينيك نفسها.
كان دومينيك فالوس أمه. ملِكًا في غرفة الزوجية. يكفيه أن يقوم بنوبة، أي أن يستخدم جسده ويضرب برأسه على المهد، لتستجيب الأم، المليئة بالقلق، وتغادر السرير الزوجي، لتلبي جميع رغباته، ليس لتلبية حاجاته، بل لتلبية رغبته في الفصل بين والديه، وتلبي استبداد الطفل الذي مكنته منه وكأنه حاجة مطلقة.
تجب الإشارة أيضًا الى أن هذه الأم أرادت أن يكون ولدها نظيفا بشكل مبكر جدًا، وقد نجحت بالفعل بالنسبة للتغوط، وكانت تهدد الطفل إذا وسخ أو بلل السرير، وهو تهديد موجه في الحقيقة نحو خوفها المرضي من القذارة.
ولا ننسى أن فالوس أمه الصغير هذا، كان متقدّمًا جدًا؛ بدأ يتكلم قبل أن تظهر أسنانه، وكان يتكلم بشكل صحيح رغم أنه لم يُفطم بعد. وفي فترة فطامه، بدأ بالمشي.
هذا الطفل الصغير الذي كان يركض بين أمه وأخيه الأكبر، عاش حياةً رائعة جدًا. بالطبع، لم يكن سيد تصرفاته، لكنه كان يبيعها لأمه مقابل رضاها. بالطبع، لم يكن يتكلم بعدُ بشكل كامل تمامًا، لكن لهجته الطفولية كانت تسمح له التعلم من خلال محاكاة ما يسمعه بين أمه وأخيه، فكانت تسمح له هكذا بلعب دور الثالث طوال اليوم.
ولا ننسى أيضًا أن دومينيك أُدخل المدرسة صغيرًا جدًا، في عمر سنتين وثلاثة أشهر، للالتحاق، مثل أخيه الأكبر، بمدرسة مونتيسوري، حيث تأقلم تمامًا. كل هذا كان قبل ولادة الأخت.
أُرسل الطفل إلى جدته من جهة الأب خلال فترة الحمل الأخيرة للأم، لتخفيف العبء عنها ولصرف انتباه الجدة عن المحنة التي كانت تمر بها من جراء فقدان ابنها.
وعندما عاد الى المنزل، اكتشف أنه لم يعد له مكان في غرفة والديه، وأن مهده أصبح محتلًا من قبل طفل رضيع. هذا المولود قلب تمامًا التوازن العائلي. شعرتْ الأم بفرح ما بعده فرح، وكذلك الأب، والأخ الأكبر الذي كان يبدو أنه تخلى عن امتيازاته كابن كبير ليتفرغ للعناية بالأخت الصغيرة.
يمكننا أن نفهم الصدمة التي شعر بها دومينيك عند عودته أمام ما هو غير مألوف. كيف يمكنه التعرف على نفسه والحال هذه؟ ولماذا أصبحت هذه الأخت الصغيرة ذات أهمية بهذا الحجم؟
حدث ذلك لأن ولادة الأخت أرضت السلالتين بالكامل. الثلاثية الجديدة: الأم-الأب-الابنة، كانت ثلاثية سعيدة تمامًا. حتى الأخ الأكبر لم يكن أمامه سوى أن يضاعف دور أمه تجاه أخته كي يحافظ على معنى لحياته. هذه الأخت الصغيرة، الابنة الثانية لعائلة «بيل»، جاءت بعد قبول وفاة الابن المفقود، تمامًا كما جاءت أخت الأب بعد وفاة الأخ الصغير.
الأب، الذي شعر بالإحباط الشديد عند ولادة أخته الصغيرة عندما كان عمره 7 سنوات، نظرًا لفرحة العائلة (إذ لم تتكون السلالة العائلية خلال 150 سنة تقريبًا إلا من الذكور)، هذا الأب، في النهاية، تذوّق نفس الفرح. لكن هذه المرة، كان هو الأب، وكان يمنح الفرح لزوجته ولوالديه في نفس الوقت.
بالإضافة إلى ذلك، كما قال هو بنفسه، هذه الطفلة الصغيرة هي صورة مطابقة له 100%، زيادة على قسط من الجرأة التي لم يكن يملكها، وهي كذلك تتمتع بقدر من المبادرة. بالطبع، عند ولادتها، لم يقُل ذلك، لكنه أصبح فيما بعد يقول: «هي 100% من جانبي وتشبه أختي 100%».
أما الأم، فقد شعرتْ بذنْبها لأنها تزوجت، وكذلك بذنبها أمام الراهبات اللواتي ربّيناها، واللواتي أرادت أن تُشبّه نفسها بهن في ممارسة التعليم. كما شعرت بالذنب تجاه أمها التي كانت تقول لها في ذلك الوقت، عندما كانت تعتقد أنها غير قابلة للزواج نظرا لسمنتها المفرطة: «ممتاز، هكذا لن تتركيني».
كانت العلاقة بين المرأتين، كما وصفها الأب، علاقة عدوانية شديدة ومتبادلة.
ولادة هذه الطفلة التي تشبه سلالة الأب، شكلت للسيدة «بيل» مصدرًا كبيرًا للرضا، وكذلك بالنسبة للجدة التي كانت تحب صهرها.
وأخيرًا، كان دومينيك يسمع، مع مرور اليوم، أن هذه الأخت الصغيرة كانت جميلة وتحمل اسم الاب بامتياز: Belle et BELبمعنى أنها أجدر منه بتقبل واعتراف الوالدين. فنظرًا للتقاطع الصوتي بين اسم الفتاة وصفة الجمال التي تسم قوة الجذب المرآوية لديها، جعلت هذه الأخت الصغيرة في مكانة دال فالوسي.
أما هو فقد قيل له على الدوام إنه قبيح، وشعره كثيف، مثل القرد، وأنه لا يشبه والده، بل يشبه جدّه من ناحية الأم، ذاك الرجل القاسي، مدرّب العبيد السود.
ولا يجب أن ننسى أيضًا أن الأخت الصغيرة سُمّيت «سيلفي»، وتعمّدت باسم سيلفي. وهذان المقطعان الصوتيان، Syl-vie، تم ترديدهما على مسامع دومينيك بلا انقطاع منذ اختفاء العم، اختفاء حصل مباشرة قبل ولادة دومينيك.
خلال طفولته المبكرة، كان دومينيك يسمع آمال والديْه: «سيلفي، برنار، ربما يكون هنا أو هناك، سيلفي، سنجده». S’il vit, Bernard, il est peut-être là, il est peut-être ailleurs. On va le retrouver.
نظرًا لدور اللغة عند طفل لم يبق لديه شيء آخر للتعبير الفالوسي عن القوة والثقافة، كان هذان المقطعان الصوتيان مهمّين للغاية في نشوء كل تلك الالتباسات المتعددة في نفسيته وفي سلوكه الفصامي. ألم يصبح هذا الطفل، في صورة الطفلة الصغيرة، هو العم المفقود حقا؟
وماذا حصل له كذلك في علاقته مع الأخ الأكبر بول-ماري عند ولادة سيلفي؟ هل كان بإمكان دومينيك أن يجد العون بالاستفادة من هذا الأخ الأكبر أو بالتماهي به؟ الإجابة: لا طبعا، لأنه لم تكن هناك علاقة حقيقية بين الأخوين، بين هذان الصنمان في خدمة متعة الام. العلاقة الوحيدة والصادقة بينهما هي علاقة العدوان المتبادل، لكن الأم لم تتسامح مع ذلك، والأب كذلك.
ومع ذلك، أنا متأكدة أن هذا الرفيق من نفس الجنس، الذي يبدو بلا تأثير عليه، والذي يكبره بسنتين، هو من ساهم أكثر في تطور انعزال دومينيك الانطوائي.
متى سيفهم الآباء والمربون أن أكبر الأبناء سنًا، يلعبون دورًا هاما في هيكلة الصغار، وأن الأطفال الصغار يقلدونهم في الوقت الذي يتمسكون فيه بهم ويصبحون تابعين لهم، وأنه يجب ألا يتم تقدير الأكبر سنًا اعتمادا على سلوكه الوقائي تجاه الصغار، لكي يكون هذا السلوك محسوبًا بعناية ولا يضر أحدًا؟ بل يجب تشجيعهم على عدم تقليد الأم الحاضنة أو الأب المشرع. هذا الدور المسيطر بالنيابة أمام ضعف الأطفال الصغار لا يمكن إلا أن يعيق ردود الفعل الدفاعية البنيوية لهؤلاء.
أما الأخ الأكبر، فقد كاد ألا يُذكر لولا انتقاله الى مدرسة مختلفة ابتداء من الفصل القادم، وذاك ما سبب التقاءنا بدومينيك بعد أن تخلى عنه رفيقه هذا، وتوجب إلحاقه بمدرسة داخلية متخصصة.
في فصل منفصل في هذا الكتاب، أقترح دراسة العلاقة التبادلية بين الأخوين وتأثيرها على تشكيل البنية الأوديبية لكل منهما لحظة ولادة أختهما. سنرى عن كثب دور الدينامية الليبيدية في الأسرة والمرتبطة بالمنظومة الأوديبية كما تشكلت من قبل الآباء باعتبارهم دعمًا لصورة الراشدين اللاشعورية لدى الصغار. إن التحويل الأوديبي المضاد لدى الولدين تجاه أطفالهم يتداخل مع هذه الهيكلة. وغالبًا ما يعمل ذلك على عرقلتها فيقف حجر عثرة في وجه عملية ترميز الليبيدو القبل-تناسلية.
بعد هذا التوضيح لما بدا لنا مهمًا منذ البداية لفهم الحالة، نعود إلى علاقة الجلسات.
الجلسة الخامسة
١- مقابلة مع بول-ماري (أخ دومينيك الأكبر)
بعد ذلك، قابلتُ بول-ماري وحده. إنه صبي مهذب للغاية، شبه متكلف، أنيق جدًا. رغم أنه يبلغ 17 عامًا، إلا أنه يبدو جسديًا في سن 14 أو 15 عامًا، ولديه شارب أقل من شارب أخيه. يجلس بظهر مستقيم جدًا.
سألته إذا كان قد اضطر لمساعدة أخيه في الحياة اليومية. فقال لي إنه كان دائمًا يجب أن ينقله من مكان لمكان، وأن يقوده لأنه يتيه بسهولة، وأنه من الصعب أن يكون لديك أخ يثير انتباه الجميع، وأن الناس ليسوا أشرارًا بالطبع، لكنّه يشعر أنهم يسخرون منه بسبب أخيه.
يجد أن أخاه تغير كثيرًا منذ أن بدأ يأتي إلى هنا (جلسات العلاج). وعندما سألته إذا كان يرغب في معرفتي، بدت على محياه علامات الحياء وهو يقول إن والدته ودومينيك هما من طلبا منه المجيء.
سألت بول-ماري كيف يتحمل غياب أبيه. قال إن ذلك غير مريح، وأنه يجد الأمر مضحكًا، زوج لا يكون أبدًا مع زوجته، لكنه يفهم أن ذلك بسبب العمل على الأرجح. قالت له أمه إن سبب غيابه هو عمله، لكنه مع ذلك يعتقد أن بإمكان أبيه أن يكون حاضرا أكثر لو علم أن غيابه يزعج أمه. من المعلوم أنها تتضايق كثيرًا عندما يكون أبوه غائبًا. «نلاحظ ذلك لأنها تشعر بالبرد في السرير، لذلك يجب دائمًا أن نذهب نحن الى فراشها». ثم أضاف: «أنا لا أريد، فإما أن يلتحق دومينيك بفراشها أو أختي الصغيرة.»
سألته إذا كان سعيدًا بعمله وبأصدقائه. أجاب تقريبًا نفس كلام أمه، وبنفس التعابير تقريبًا. إنه لا يفهم لماذا تغازل الفتيات الشبان، لكنه لا يعتبر ذلك مدانًا. لا يفهم لماذا ينام الرجال والنساء معًا، لكن يجب أن يكون الأمر كذلك، إذ من دونه لا يمكن إنجاب أطفال. أضاف كذلك أنه يحب صديقا في صف الفلسفة، لأن كل ما يقوله هذا الصديق يثير اهتمامه كثيرًا.»
بدا بول-ماري سعيدًا لأنه تحدث معي. لم تكن المقابلة طويلة جدًا، لكنها احتوت على الكثير من الأمور. وبعد هذه المقابلة، عدت لمقابلة دومينيك.
٢- مقابلة مع دومينيك
قلتُ لدومينيك إن أخاه أخبرني أن أمهم تحب أن تتدفأ بوجودهم في سريرها، وأن أخاه لا يريد الذهاب إلى فراشها. عندها شعر دومينيك بشيء من الحرج وأخذ يفكّر، ثم قال:
«أتدرين، لقد اندهشتُ كثيرًا ذات يوم عندما رأيتُ أخي وأختي في حلبة التزلج. كنتُ مع رفيقي. إنه أكثر من رفيق، إنه صديق. (بالمناسبة، مدير والده أكثر من مجرد مدير، إنه صديق). ثم، أختي، كما تعلمين، ترافق أصدقاء غريبي الأطوار. وأخي أيضًا، كان مع أناس غرباء.»
أمام هذا الموقف الدفاعي المتعلق باقتسامه فراش الأم، حيث بدأ يشوّه سمعة ما يسميه أصدقاء أخيه وأخته، فكرتُ أن الصديق الذي كان معه هو صديق يفعل معه «أشياء غريبة». فقلتُ له ذلك وفسّرتُ له كلامه بهذا المعنى.
- عندها خفَض صوته وقال: «نعم، نحن نلعب بالمؤخرة وبالشق. نفعل كما تفعل البقر بضرعها.»
- قلتُ له: «ما يحدث في جسدك، فيما تسميه ضرعك، ليس ضرع بقرة. أنت تعرف جيدًا أنه عضوُك الجنسي. لقد تحدثنا عن ذلك قبل قليل بالضبط. عندما صنعتَ الرجل الصغير الذي قلتَ إنه زنجي أمك. في بعض الأحيان يحدث ما مثلتَ له سابقا بذيل الكلب الذي يكون مرفوعًا أو منخفضًا. وهذا يعتمد على ما تشعر به في جسدك حين تلهو بذلك.»
- فقال: «نعم، إنه أمر غريب.» ثم أضاف: «أختي تذهب إلى سرير أمي. وأنا أيضًا. هل تسمع ماما ما أقوله؟» (خفض صوته).
- قلتُ له: «لا أظن أن أمك تسمع. لكن يمكنك أن تتحدث بصوت منخفض إذا أردت. ولكن بما أنك تنام في سرير أمك، فهي تعرف ذلك. فلماذا تتكلم بصوت منخفض؟ كي لا تسمع أنك تحدثني؟»
- فقال: «لأنني لم أعد أريد أن أنام معها الآن. كان ذلك عندما كان عمري سبع سنوات. كانت هي التي تريد، وأنا لم أكن أعلم. ثم كان الأمر يشعرني بغرابة، كما قلتِ قبل قليل (يقصد الانتصاب). ثم كانت ماما تقول لي: تعال فهذا يدفئني. وكان الأمر ممتعًا. لكن، كما تعرفين (خفض صوته) هي لا تريد ذلك عندما يكون بابا معنا. هي تقول هذا فقط عندما لا يكون بابا هنا. لأنها تشعر بالملل. أفهمتِ؟ لو كان بقالا لكان أفضل. عندها يمكنها دائمًا أن تدفئ نفسها في سريرها. ماما تقول إن البنات يجب أن ينمْن دائمًا مع النساء. ولهذا أختي تنام دائمًا مع ماما. أتعرفين؟، أنا ما زلت أرغب في الذهاب إلى سرير ماما. لكنني لا أعرف… ثم هي تقول إن الأولاد يجب أيضًا أن يناموا دائمًا مع الأولاد. لأنه عندما يكبرون، الرجال ينامون مع الرجال. في عمله بألمانيا، بابا ينام مع الرجال ولا يرى النساء.»
- أنا: «وأنت، عندما تتحدث عن هذا الأمر مع أخيك، ماذا يقول أخوك عن ذلك؟
- هو: «أوه، أخي، غير مهتم على الإطلاق. هو لا يهتم بالفتيات. (يعني: أنا أهتم). ثم، هو، ماما لا تطلب منه شيئًا، لذلك لا يهتم على الإطلاق. أما أنا، فأحب عندما تأتي جدتي، والدة أمي. آنذاك تكتب كل شيء: المطعم، الطاولة، النادل، قائمة الطعام، تكتب كل شيء، كل ما نفعل. أنا أحب عندما «يأتي» جدتي. (إشارة إليّ أنا التي أكتب كل شيء، وما نقوله، كما «يفعل» الجدّة، من خلال فصلها الابن عن الأم المتسلطة، المفرطة في الحماية بطريقة شاذة). أود أن أصبح ميكانيكي سيارات. أحب أن أبيع البنزين للناس. أحب أن أضع لهم البنزين، أنا، في سياراتهم. وقد قلت لماما ـ «ماذا لو كان بابا موجودًا معنا، ماذا كان سيفعل؟ صحيح، ماما على حق، ولكن أنا، ما أعرف، هذا يجعلني أشعر بغرابة، لذلك لا أعرف.
من الواضح أن هنا سؤال موجه إلي.
- أنا: «إنك محق تمامًا، وأبوك سيقول نفس الشيء. لم يكن لأمك أخوة، وقد تربّت في بيت الراهبات. وربما هذا هو السبب في كونها لا تدرك ما يحصل لصبي مثلك عندما ينام في سرير أمه، ملاصقًا لها، وهو شبه عارٍ وهي في قميص النوم. فهذا يترك أثرًا لديه وفي قلبه شعور عميق بخطأ كبير إذ يعتبر نفسه زوج أمه، لأنه يحتل مكان والده، وهذا ما يترك أثرا كبيرا في نفسه وفي جسده. هو لا يعرف بعد الآن إذا كان حيوانًا، أم طفلًا صغيرًا، ولدًا أم بنتًا، وهذا يجعله يشعر بالغباء لأنه لم يعد يعرف ما هو. فأنت تلاحظ أن ماما تقول لك إن كان بابا هنا، فلن تذهب إلى سريرها. إذن، وفقًا لقانون جميع البشر، في كل مكان على الأرض، حتى عند السود الذين يعيشون في الأعشاش، يُحظَر على الأولاد النوم مع أمهاتهم. لا يمكن أبدًا للولد أن يكون الزوج الحقيقي لأمه. لا يمكن لها أبدًا أن تحبه لإنجاب أطفال حقيقيين. الأطفال الحقيقيون، يخلقون من خلال التقاء العضو الجني الخاص بكل من والديهم. قانون البشر هو أن عضو جنس الابن لا يجب أبدًا أن يلتقي بعضو أمه الجنسي.
ما أقوله لك هو الحقيقة. أمك تريد أن تعرفوا الحقيقة. لكن السبب في كل هذه الاضطرابات هو أن أمك لم يكن لها أخ قط، وقد تربّت في بيت الراهبات (أكرر)، فلم تفكر أبدًا في هذا الأمر. لكن اسألْ أباك، سيخبرك بنفس ما أقوله لك. هذا هو قانون جميع البشر.
أثناء هذا اللقاء الثاني من الجلسة الخامسة، وأثناء حديثه، كان دومينيك يشكّل في العجينة هاتين الصيغتين. (شكل قضيب وصيغة شريط موبيوس)، وأنا أرسمهما نقلا عنه دون أن أتكلم.
بعد هذه الجلسة المزدوجة لدومينيك وجلسة بول-ماري، سألتني الأم أمام دومينيك إذا كان لدي شيء آخر أقوله لها.
- قلت: نعم، ربما. وسألت دومينيك: ربما يجب أن أتحدث مع أمك؟
دومينيك وافق تمامًا. لقد تحدثتُ مسبقًا مرتين عن السر المهني، وأظن أنه يثق بي تمامًا.
٣- مقابلة مع الأم
قلت لها إنني تحدثت مع الولدين، وأن غياب الأب يسبب لهما إحراجًا كبيرًا بالفعل. وقلت إن التزاوج القسري الذي اضطره بول-ماري مع أخيه دومينيك أزعجه بالتأكيد كثيرًا.
قالت: نعم، لقد لاحظت ذلك. لكنه كان لطيفًا جدًا. وهذه هي الأخوة. (بين قوسين: هذه كلمة العائلة، كلمة «الأخوة»).
قلت لها إنني لا أعتقد أن بول-ماري مفرط الحياء معها، وإن حساسياته الذكورية تبدو طبيعية تمامًا حين يقاوم بعض الحميميات معها. وربما هي لا تدرك ذلك جيدًا لأنها لم تختبر في إطار الأخوة مستوى الحميمية الذي يجب أن تتوقف عنده الأم مع أبنائها.
بابتسامة ماكرة كطفلة تمت مفاجأتها في وضع متلبس، وبمداعبة لعوب، قالت لي:
«نعم، أليس كذلك؟ أنا أحب أن أضعهم في سريري. ولا أمانع أيضًا أن أظهر عارية أمامهم، لأنني أعتقد أن هذه هي حقيقة ما يجب أن يعرفه الأطفال، وأن كل شيء جميل.»
II
تعليق على لحظات
من «حالة دومينيك»
لفرانسواز دولتو
عبد الهادي الفقير
فرانسواز دولتو إحدى أكبر المحللين النفسانيين الفرنسيين (١٩٠٨-١٩٨٨)، رفيقة جاك لاكان. أحدثت تحولًا عميقًا في فهم الطفولة من خلال التأكيد على أهمية الاستماع إلى الطفل واحترام كلماته ورغباته. أثرت أعمالها في الممارسات العلاجية والتربوية مع الأطفال والمراهقين ولا تزال أفكارها حتى اليوم مرجعًا أساسيًا في التحليل النفسي للأطفال.
«حالة دومينيك» كتاب نُشر عام ١٩٧١. يعرض الكتاب فيما يقارب ٢٥٠ صفحة من القطع الصغيرة، المتابعة التحليلية النفسية لدومينيك، وهو مراهق عمرة ١٤ سنة، يعاني من اضطرابات نفسية خطيرة، من بينها الرهاب المدرسي وشعور عميق بالقلق.
من خلال تحليل حالته، تسلط دولتو الضوء على الصراعات اللاشعورية التي تعذّبه، لا سيما التوترات العائلية والصعوبات المتعلقة بهويته. خلال الجلسات، تُفكك دولتو كلمات دومينيك، وإيماءاته، وصمته، مظهرةً كيف أن معاناته متجذرة في تاريخه العائلي وعلاقته بوالديه. يتم التركيز على أهمية اللغة الرمزية ودور اللاشعور في بناء التكوين النفسي للطفل.
بفضل العلاج التحليلي، يتمكن دومينيك تدريجياً من التغلب على مخاوفه واستعادة توازنه. تعكس هذه الحالة منهج دولتو ونهجها الإنساني في التحليل النفسي، حيث يعدّ الاستماع إلى الطفل والاعتراف بمعاناته أمرين أساسيين في شفائه.
في هذا العرض المقتضب، سوف نقتصر على محتوى جلستين فقط، الجلسة الأولى والجلسة الخامسة، لما يتوفران عليه من دلالة خاصة، من بين الاثني عشرة جلسة التي تضمنها تحليل دومينيك.
الهدف من هذين الفقرتين هو تبيان كيف تتعامل دولتو في بداية التحليل، مع ما يسمى «الذات-مفترض-عارفة» والتي من خلالها يتم تثبيت التحويل، وبعد ذلك كيف تستعمل التحويل (ابتداءا من الجلسة الخامسة) من أجل إحداث تغيير في التركيبة الهوامية للمتحلل من خلال عملية التأويل. فنرى أنها، تحت التحويل تعمل على تأويل خطاب المتحلل (تبعا للتوجه اللاكاني) وليس تحليل مقاومات المريض (كما دأب على ذلك أغلب المحللين قبل لاكان في إطار ما سموه تحليل التحويل المضاد).
II
التأويل في التحويل: لحظات من «حالة دومينيك»
تعليق: عبد الهادي الفقير
الجلسة الأولى: «أنت تعلمين كل شيء»
قدمت له نفسها وطلبت منه أن يحدثها عما يخالجه وعما يحس به. إنها كمحللة نفسانية لم تطلب منه، كما يفعله الأطباء والمعالجون النفسانيون عادة، أن يعرض على ناظريها هذا العرض أو ذاك من أعراضه المتعددة والمختلفة.
إنها ليست في موقف الطبيب العقلي أو المعالج النفسي الذي يشد انتباهه حول الأعراض والاضطرابات لكي يدقق النظر فيها ليعزلها ثم يَعُدها ويجمعها ليكوّن منها أرجوحة أو باقة إمراضية تمكنه من تسمية مرض نفسي وعقلي معين. إن السيدة دولتو لم تسلك هذا المسلك، بل وجهت انتباهها إلى ما قد يقبع من دلالة ومعنى خلف أعراض الشاب دومينيك المتعددة. لم تطلب منه إذن أن يندفع في عرض أوجاعه المؤلمة والمتكاثرة، وإنما حاولت فقط وقبل شيء أن تعرف ما إذا كان دومينيك يرغب في التصريح لها بشيء ما وبالخصوص إذا ما كان يريد أن يشاركها فيما كان يختلج في نفسه من أحاسيس.
- «حدثني عما تحس وتشعر به»، طلبت منه دولتو منذ البداية.
إنه سؤال على قدر عالي من العمومية، لا يقصد اضطرابا بعينه ولا سلوكا بذاته بقدر ما يشير الى حالة دومينيك بكاملها ويضع نقطة استفهام على إحساسه بوجوده. فما كان من دومينيك إلا أن أجاب دولتو على نفس الوتيرة. فها هو يرد عليها بنفس المستوى من التعميم ردا يجعل حالته بصفة عامة موضع تساؤل مباشر، في حين نراه يعطي أعراضه المرضية مكانة ثانوية وكأنها ليست هي الأجدر بالاهتمام الأول في نظره. فقال لها وهو يرسم على محياه ابتسامة يغلب عليها التوتر والقلق:
- «أشعر بأني لست ككل الناس. وأحيانا يراودني شعور قوي بأنني عشت فعلا أمورا حقيقية».
- «وهي التي جعلتك غير حقيقي»، عقبت دولتو على تعليقه، رابطة بالفعل الكلامي بين حالته الراهنة وبين ما قد عاشه طيلة حياته من مناخات عائلية ومن ترابطات هوامية أسست تركيبته النفسية والمرَضية. إن طريقة الاقتراب هاته التي تميز فرانسواز دولتو بصفتها محللة نفسية تستلزم منا استخلاص الملاحظات الثلاثة التالية:
- الملاحظة الأولى تتمثل في كون دولتو لم تستعر من أطباء العقل والمخ لغتهم وتعابيرهم في الرد على دومينيك. فهي لم تستعمل تعبير المرض أو العرض أو الإضراب أو الشذوذ وما شابه ذلك. إنها ردت عليه مستعملة نفس ألفاظه، نفس الألفاظ المتداولة في الحياة اليومية، وهي بذلك بقيت على مقربة من تعابير دومينيك وأحاسيسه، من دون ترفع ولا استعلاء قد يدفع إليهما مقام من يدعي العلم والمعرفة على حساب الآخر.
إنها لم تقم في حالة دومينيك بالتفريق بين المرض والسواء بلغة الاختصاصيين، وانما قامت من خلال الألفاظ التي استعملتها مباشرة تعقيبا على جوابه، بالتفريق بين الحق والباطل، بين الحقيقة والكذب، بين ما عاشه دومينيك حقا وفعلا كما يقول، وبين الأقنعة المرضية والشاذة التي يختبئ أناه ورائها والتي تجعله يبدو متسترا خلف الأعراض كما لاحظت دولتو. إننا نراها هنا بعيدة كل البعد عن لغة الأطباء وما يتخللها من ألفاظ كألفاظ المرض والسواء وما إليها. بل إنها بالعكس تستعمل لغة النطق العادي والمنطق العقلي.
- الملاحظة الثانية تكمن في كونها لم تتعد، من خلال جوابها، الربط بين ما صرح به دومينيك وما كان يخالج تفكيره وبين ما كان يحسه في قرارة نفسه ويعانيه في واقعه المعاش. فهي لم تقل أكثر من ذلك. لم تنطلق في استعراض عضلاتها المعرفية كما قد يُجهِد بعض الاختصاصيين أنفسهم بفعله حتى يبقى نجمهم ساطع في ناظري مستشيريهم. ورغم بساطة هذا التعقيب الذي صدر عن دولتو، بدا لدومينيك وكأنها اطّلعت على كامل مكنونه، وكأنها تملك كل العلم بكل ما يدور بخلده. لقد بدت له وكأنها عالمة الأسرار وليس فوقها عالم. فقال لها:
- «حقاً ما تقولين يا سيدتي. لكن كيف تعلمين بذلك؟»
- «أنا لا أعلمه مسبقا، لكني فكرت في ذلك عندما رأيتك». أجابت دولتو، وهي تحاول، كما رأينا، ألا تتبجح بعلمها الوافر، وألا تجعل مما حرزت عليه من معرفة، المصدر الوحيد لما يمكن قوله بصدد ما يكنه دومينيك من علم باطن تفترضه هي، بخصوص قصور ظاهر يتحمله هو. فهي بجوابها هذا تريد أن تبلغه بأنها وإن كانت عالمة بمفاهيم وتقنيات التحليل، فهو الذي في مقام العليم الوحيد بما يكنه في دخيلته وبالكيفية المناسبة للتصرف بصدده.
بعدها مباشرة انطلق دومينيك في تفسيرات جد خاصة:
- «فكرتُ أنني كنت في الصالة (salle) عندما كنت صغيرا. كنت تحت وطأة الخوف من السراق. لقد أتوا لسرقة المال، وسرقة الأواني الفضية. وقد لا تتصورين سيدتي ما كان بإمكانهم سرقته».
إنه كلام غريب حقاً. أتى به دومينيك من حيث لا ندري، ومن حيث لا يدري هو كذلك. فهو كلام لا رابط له بما سبق ولا تناغم بين عناصره. فلو تلقفته أذن طبيب العقل والمخ لكان مصيره عكس ما سيكون عليه الحال مع دولتو، المحللة النفسانية. فالطبيب يهتم أولا وأخيرا بالمرض من خلال أعراضه الظاهرة للعيان. همه الأساسي يكمن في ترقب الأعراض والاضطرابات فيعمل على تحديدها ثم جمعها حتى يتمكن من تشخيص المرض. وهكذا فإن كلام دومينيك سيكون لا محالة موضع فحص دقيق تحت ناظري الطبيب. فما يهم هذا الأخير من هذا الكلام هو معرفة مدى سلامته أو اضطرابه. أما إن كان مضطربا، فما هي أنواع ودرجات هذه الاضطرابات، وما هي جوانب الكلام المصابة بالاضطراب؟ إنه فعلا سيجده ضعيف الترابط بل ومفككا. سيجد أن نغمة الهذيان تغلب عليه كما تستحوذ عليه سمة الهوس. وهكذا يكون الطبيب قد أدى واجبه المهني عندما يُقدم الفحص الدقيق لما تبديه الأعراض من ملاح ودرجات وعندما يُحدد المتلازمة الإمراضية التي قد تحصل من جراء توليفة هذه الأعراض.
أما دولتو، بصفتها محللة نفسانية، فهي لا تهتم بهذه المظاهر والملامح بقدر ما تهتم بما يستحضره المريض من تداعيات متواصلة حول المضامين الكامنة. إنها لا تهتم بالاضطرابات الظاهرة للعيان بقدر ما تُرهف الأذن للمعاني المتسترة والمتخفية. إنها لا تعير كبير اهتمام للفصل بين مظاهر المرض والسواء بقدر ما تتدبر ذكاء الحيل الدفاعية المقَنّعة والجادة في قلب السواء مرضا والمرض سواء.
سكت دومينيك بعد ما قال كلامه هذا. وأثناء هذه اللحظة، خامرت ذهن دولتو الفكرة التالية: «أليس من الممكن أن يدل لفظ القاعة (salle) على الوسخة (sale)» أي أخته بالذات لِما يتخلل هذين اللفظين من تقارب وتشابه لفظي وإن اختلفا من حيث المعنى؟ فانطلاقا من هذا الاستنتاج الذي راود فكرها، قالت له للتو: «أو أختك الصغيرة؟». من خلال هذه العملية الذهنية التي عودتها عليها ممارسة التحليل النفسي، قامت دولتو، بعد أن سمعت ما قاله دومينيك، بالتفكير في لفظة (sale)التي ترجمْتُها هنا بلفظة "وسخة". إنها وضعت هذه الكلمة موضع صلة وصل بين لفظة salle التي استعملها دومينيك في كلامه بخصوص مكان السرقة وكذلك الأشياء المسروقة والباهضة الثمن وبين أخته التي ولدت بعده والتي علِمت دولتو سابقا من طرف الأم بأن مجرد مجيئها الى الحياة، لعب دورا بالغ الخطورة فيما أصاب دومينيك من اختلالات نفسية.
وبالإجمال يمكن القول إن دومينيك قبْل ولادة أخته كان يحتل مكانة الابن المدلل من طرف كل أفراد العائلة لحد وصفت دولتو وضعيته بفالوس الأم. لقد كان في وضعية الأمير يتمتع بكل مزايا الإمارة الى حين ولادة أخته التي كان مجيئها الى الحياة مناسبة في إسقاطه من عرشه واستبداله فيه. كان مجيء الأخت بالنسبة لدومينيك بمثابة الزلزال الذي زعزع الأرض من تحت أقدامه ففقد كُلاًّ من مقامه وقيمته الفالوسية. فبعد أن كان معيار كل شيء في أنظار الجميع وفي ناظري أمه بالخصوص، أصبح لا يساوي أي شيء. فقدَ مكانته وفقدَ قيمته فكيف لا يفقد عقله فيصبح مجنونا معتوها!
فمجرد التقارب الذي أدخلته دولتو على مستوى اللفظ فقط، بين مكان السرقة (Salle) وبين أخته (Sale) جعل دومينيك يعتقد بأن دولتو تعلم بكل حاله، وبأنها تعلم ما يعلن وما يخفي وكأنها تعلم ما بالصدور، فأجابها مندهشا.
– «أه سيدتي، كيف أنت بكل شيء عليمة؟»
فردت عليه للتو:
– «لا علم لي بشيء مسبقا. إلا أنك تكلمني عن أشياء بتعبيرك الخاص وأنا أعمل كل ما في وسعي كي أنصت لما تقوله. إنك أنت، ولست أنا، من يعرف ما حصل لك. وإن ساعدَنا الحظ سنتمكن من فهم كل ذلك سويا».
لم يرد دومينيك على ما قالته دولتو. انتظرت المحلِّلة برهة رغم الصمت الذي أطبق على الجلسة، ثم سألته:
- «فيما أنت تفكر الآن؟»
- «إني أبحث في أسباب فشل حياتي. وكل رجائي هو أن أغدو ككل الناس. فقد يحدث لي تكرارا، على سبيل المثال، أن أنسى الدرس الذي حفظتُه البارحة. وفي بعض الأحيان أجدني أَكثر بلها من الآخرين وأقول في نفسي: لا شيء يمشي كما ينبغي وها أنا أفقد عقلي»
لم يخفَ على دولتو الطريقة التي لفظ بها دومينيك كلمتيه الأخيرتين. لقد تفوه بهما بصوت مرتفع وحاد. فأجابته للتو:
- «لقد فقدتَ عقلك حقاً وإني أرى بأنك قد لاحظت ذلك. أظن أنك تقنَّعت بلباسِ مهبول حتى تتجنب اللوم والتوبيخ».
- «ذاك محتمل جداً. لكن كيف تعلمين ذلك سيدتي؟»
- «أنا لا أعلمه مسبقا، لكني أرى بأنك لبست قناع أحمق أو أبله. إلا أنك لست هذا ولا ذاك لأنك تبصر ما يحدث لك ولأنك تريد أن تتغير الأمور لديك».
الجلسة الخامسة: «أريد ولا أريد اقتسام فراش أمي»
قبل بداية الجلسة الخامسة، تحاورت دولتو مع أخيه بول ماري، (١٧ سنة) فأبلغها هذا الأخير بأن أمه كانت دائما ترغب في أن يقتسمها أولادها، وبالتناوب، فراش نومها. وأبلغها أيضا بأنه لا يرغب في الاستمرار في تلبية طلب أمه هذا.
أثناء الجلسة مع دومينيك، أبلغت دولتو هذا الاخير بما دار بينها وبين أخيه من حوار، فبدا عليه شيء من الانزعاج. فكر مليا ثم انطلق يحدثها عن أشياء مخالفة تماما لما فاتحته به المحللة. وبدون أدنى رابط، أطبق يحكى لها ما حصل له في أحد الأيام؛ لقد كان في حلبة التزحلق مع أحد أصدقائه القيمي السلوك، فأبصر مندهشا، أخاه وأخته الذين، على العكس، كانا بصحبة أشخاص جانحين ولا تصلح معاشرتهم. إنهما كانا يقومان مع هؤلاء الأصحاب بأفعال دنيئة ومخزية.
لم يغب عن دولتو فحوى كلام دومينيك هذا. فعوض أن يجيبها مباشرة عن سؤالها بخصوص رغبة أمه وموقفه منها، فإنه لاذ بالفرار الى الحديث عن أمور لا تمُت الى السؤال المطروح بصلة. فهِمَت دولتو آنذاك بأنه احتمى هكذا بآلية دفاعية قد تساعده على إبعاد الموضوع المزعج وعلى تجنب الخوض فيما لا يرضي خاطره. بل والأكثر من ذلك فإنه يكون قد عمل على إسقاط ما كان قد فعله هو نفسه من تصرفات شائنة مع صديقه، على أخيه وأخته. فهمت دولتو إذن بأن هذا الافتراء من طرف دومينيك على الأخ والأخت إنما هو محاولته الرمي على كاهلهما بما كان قد فعله مع صديقه من سلوك شائن والتخلص من الذنب المترتب عنه والذي لا يزيد الى هويته الجنسية إلا تذبذبا أكبر والتباسا أكثر.
وهكذا فإن دولتو تكون قد فهمت ما كان يدور بخلد دومنيك من أفكار متفاوتة المستويات، وما كان يتأجج بهذه الأفكار من تناقضات متباعدة المنابع وما كان يتحكم بهذه التناقضات من آليات متنافرة المرامي. فلم تكتف بفهم ذلك وإنما عمدت إلى طرح ما فهمته على مسامع دومينيك، لعله يجد في تأويلها هذا لما قاله، مسلكا يسمح لخطابه التقدم نحو سبر حقيقة ذاته الكامنة خلف اعوجاجات سلوكياته واختلالات أفكاره واضطرابات مشاعره.
فلم يلبث دومينيك أن رد عليها بالإيجاب هذه المرة، قائلا بأنه هو وصديقه كانا يلهوان بتلمس بين الفخذين وشق الشرج. وعلى حد تعبيره، إنهما كان يفعلان كما تفعل الأبقار عندما تلحس وتنظف ضرعها بلسانها. وعندما سمعت دولتو كلام دومينيك، لم يكن بوسعها إلا أن ردت عليه للتو بأن ما كان يفعله لا علاقة له بفطائر الأبقار وإنما يرتبط بما يحس به فعلا في قرارة نفسه من جراء ما كان يختبره في جسده من رغبة وشهوة ومتعة.
- «أجل. إنه إحساس غريب حقا. ليكن في علمك، سيدتي بأن أختي ما زالت تنام مع أمي. ومازلت أنا أيضا أفعل ذلك. هل تدرين سيدتي إن كانت أمي تسمع ما أقوله الآن؟» سأل الشاب بصوت خافت.
- «ما أظن أن أمك تسمعك». أجابت دولتو. «يمكنك أن تتحدث بصوت منخفض إن شئت. لكن بما أنك تنام مع أمك في الفراش فإنها تعلم بذلك. فلماذا إذن تريد أن تخفض صوتك؟ هل لكي لا تسمعك وأنت تفاتحني بهذه الأمور؟».
- دومينيك: «لأنني لا أود الاستمرار في النوم ليلا بجانبها. فمنذ أن كان عمري سبع سنوات، كانت تطلب مني ذلك. وحتى الآن، لست أدري ما أنا فاعله. إن ذلك يحدث لدي أشياء غريبة (يقصد انتعاظ قضيبه). أمي تقول لي: «تعالى معي الى الفراش لتدفئ مرقدي». وعندما أمتثل أحس بمتعة. لكن عندما يكون أبي حاضرا في البيت، فإنها لا تطلب مني ذلك. أما عندما يغيب طويلا عن البيت فإنها تكفهر يا سيدتي. إن الأمور قد تنقلب الى أفضل لو كان أبي صاحب متجر. آنذاك يكون دوما حاضرا لتدفئة أمي في الفراش. أضيفي الى ذلك سيدتي بأن أمي تقول إن على الفتيات أن ينمن بجانب النساء. وهكذا فإن أختي باتت هي أيضا تقتسم مضجع أمي. أما أنا، يا سيدتي فماتزال لدي الرغبة في اقتسام مضجع أمي، لكنني لست أدري. إنها تقول أيضا إن الأولاد يجب أن يناموا بجانب الأولاد، لأن هؤلاء عندما يكبروا فإنهم يناموا بجانب الرجال. إنها تقول أيضا إن أبي عندما يغيب من أجل عمله في ألمانيا فإنه ينام مع الرجال ولا يقتسم مضجع امرأة هناك».
- «وأنت عندما تتحدث مع أخيك، بماذا يجيبك بخصوص كل هذا؟»
- «إنه لا يعير كبير اعتبار لكل هذا. إنه غير مهتم بربط علاقات مع الفتيات (بمعنى أن ربط علاقات مع الفتيات يهمه هو، توضح دولتو) ثم إن أمي لم تعد تطلب منه أن يسخن مرقدها، لذا فإنه ينظر الى كل هذا بنوع من اللامبالاة. أما أنا فما يعجبني جدا هو مجيء جدتي، أمُّ أمي، الى بيتنا. لأنها عندما تأتي، فإنها تكتب كل شيء؛ تكتب ما يلزم شراءه في السوق، تكتب المصروف وتكتب قوائم وجبات الطعام... إنها تكتب كل شيء. إني أفرح وأبتهج كثيرا عندما «يأتي» جدتي الى المنزل….»
في هذه النقطة بالذات تلمس دولتو من خلال كلام دومينيك، تلميحا لشخصها وهي تكتب ما يقوله خلال جلسة التحليل. «أنا أفرح كثيرا عندما «يأتي» جدتي الى المنزل (فلتة لسان، عوض قول "تأتي").
- «… أحب أن أمتلك مشغل تصليح سيارات وأحب أن أملأ سيارات الزبناء بالبنزين. فقلت لماما: لو كان بابا في المنزل فماذا سيكون رد فعله؟ بالفعل، إن ماما على حق. أما أنا فلست أدري. إن ذلك يحدث لدي إحساسا غريبا، لهذا فأنا لست أدري».
من خلال كل هذا الكلام بدا لدولتو أن دومينيك يوجه إليها سؤالا ملحا وإن كان ضمنيا ومعقدا. لقد بدا لها أنه في هذه اللحظة بالذات، يطرح بين أيديها بعضا من جوانب اللغز الذي يُغَيِّب عنه ذاته ويبطل حريته. إنه يستجديها، ولو بطرقة ملتوية، أن تتدخل لتساعده على تجاوز بعض الصعوبات وعلى تخطى بعض العقبات وعلى اجتياز بعض المخاطر، حتى يتمكن من العثور على مفاتيح فك الأوصاد اللاشعورية التي تقف حائلا بينه وبين رغباته الحقة وذاتيته الأصيلة.
فتدخلت دولتو آنذاك:
- «إنك على حق وأبوك لن يخالفك الرأي. إن أمك لم يكن لها إخوة ثم إنها كبرت وترعرعت داخل دَيْرٍ للراهبات لذا فهي على غير علم بما قد يحدث بجسد ولد عندما ينام ملتصقا طوال الليل بجسد أمه. أما الولد، فإنه لا محالة يحس في قرارة نفسه بأنه من غير اللائق أبدا أن يحل محل أبيه في حضن أمه. أما إن حصل ذلك، لا قدر الله، فإن الولد يبقى مشدوها معتوها، لا يعرف إن كان حيوانا أم طفلا أو طفلة من بني الإنسان. إنك لاحظت بأن أمك صارحتك بأنك لن تلج فراشها مدة حضور أبيك في المنزل. لهذا أأكد لك بأن التشريع الإنساني، في كل زمان ومكان، يمنع الأولاد من مضاجعة أمهاتهم. إنه من غير الممكن أبدا أن يحل الولد حيال أمه محل زوجها. إن تشريع الإنسانية يقضي قطعا بأ لا يقترب قضيب الفتى من فرج أمه. إن ما أقوله لك إن هو الحق...."
استمر العلاج بالتحليل هكذا وعلى نفس الوتيرة مدة سبع جلسات أخرى. تواصل فيها العلاج التحليلي وتقدم لدرجة جعلت أعراضه المرآة تتساقط الواحد تلو الآخر….
