الموضوع «ا» ومسألة التحويل في التحليل





مداخلة سيمينار «زمن الفقد» 

الحلقة الزرقاء

٢١/٠٦/٢٠٢٥

عبد الهادي الفقير

 

يمكن القول بإيجاز شديد أن ما يسميه لاكان «موضوع ا» له وجهان متلازمان:

-     الوجه الأول يتمثل في فقدان أولي ومبدئي لمتعة مطلقة قد يكون من مغبتها إن حصلت، سقوط ذات الفرد في غياهب العدم أو في عذابات الألم. وهذا الوجه هو ما يسميه فرويد بـ«الموضوع المفقود» L’objet perdu)) وما يسميه لاكان «الموضوع–النقصان» (L’objet-manque) أو «الموضوع مسبب الرغبة» (L’objet cause du désir) .

-      أما الوجه الثاني فيتمثل في كل الموضوعات الجزئية (Les objets partiels) التي تتبلور أساسا في الهوام (Le fantasme) والتي تركض الذات الراغبة خلفها كي تحصل من خلالها على ما تبقى في الواقع المعاش من فُتاة المتعة المطلقة التي تم فقدانها منذ الأزل والى الأبد أو على الأقل، إلى يوم الدين.   

سأتناول هذه المسألة من جانب ما يسمى بالتحويل الذي هو سيرورة تخترق التحليل من أوله إلى آخرهيتوجب على المحلل التعامل معها وتدبيرها بكفاءة عالية، ليس فقط كي ينطلق التحليل ويتواصل وإنما كي ينتهي ويكتمل. فإن كان التحليل، ككل خبرة، له بداية ومسار ثم نهاية، فمن الضروري أن نكون على دراية بهذا المسار وخصوصا بالكيفية التي يتم اختتامه بها على أحسن وجه.  

فهذه المداخلة تدور حول ثلاثة أفكار بخصوص التحويل في التحليل:

١ - لا تحليل بدون تحويل ولا اكتمال للتحليل إلا بإيقافٍ تحليلي للتحويل؛

٢ - اكتمال التحليل يستلزم تنقية رغبة المحلل أولا ثم المتحلل ثانيا من شوائب النرجسية ومن التماهيات التخيلية؛

٣- انتهاء التحليل يتوازى مع سقوط التحويل بشقيه: «ذات-مفترض-عارفة (Sujet-Supposé-Savoir) و«المحلل-شَبَه-الموضوع ا»، .(L’analyste-semblant-d’objet a) 


I- العلاج والشفاء والتحليل

منذ البداية كان فرويد يحذر المحللين من الاهتمام المفرط بمسألة الشفاء من الاعراض قبل الاهتمام بسيرورة التحليل. كان دائما ينصحهم أن يخففوا من تسرعهم وشططهم في مداواة مرضاهم. هل هذا يعني أنه كان غير مبالي بالتخفيف من معاناة المرضى، أو أن التحليل لا شأن له بمسألة الشفاء؟ لا أبدا. 

إنما فرويد توصل الى التحقق من خلال ممارسته أن العرض إذا ما تمت مطاردته قبل إعادة النظر في التركيبة الهوامية التي تسنده، فإنه لا محالة راجع الى مكانه أو إلى مكان آخر، بنفس الشكل أو بشكل آخر. 

تبين فرويد أيضا ان هناك أناس يفضلون التخلص من عرَضهم سريعا، لا إسوة بهم هم، وإنما إسوة برغبة معالجيهم الملحة، وهو ما يفرض تخليهم عن عرض ما، قصد التهرب من الإفصاح عن هواماتهم الدفينة تماما كما تفعل السَّحَلية (Le lézard) أمام موقف خطر، فتتخلى عن ذنَبها. ويبقى هذا الذنَب المقطوع يتحرك أمام ناظري المُشاهد كي تفلت هي بنفسها. وهكذا، فإذا كان العرض هو ما نشتكي منه بصخب، فإن الهوام هو ما نتلذذ به في صمت ونعوذ بمن يساعدنا على المضي قدما في مجهلة من هذا القبيل، حتى وإن ادعى نفسه محللا نفسانيا. 

فالتحليل النفسي يهتم فعلا بالشفاء وبتخفيف أو إزالة الاعراض المرضية. لكن هذا الشفاء يحصل كإضافة للسيرورة التحليلية وليس بطريقة مباشرة، إلا فيما ندر. فسيرورة التحليل تعتمد كلية على عملية التحويل في تركيب العصاب التحويلي (La névrose de transfert) أولا وثانيا، في تكرار ثم تحليل العصاب الطفولي (La névrose infantile).

 

II- مسألة التحويل في الممارسات العيادية المختلفة

انطلاقا من مسألة التحويل يمكن تقسيم الممارسات العيادية الى ثلاثة أصناف:

١- ممارسة عيادية تنكر وجود التحويلClinique sans le transfert   هذه الممارسة تتفرع الى أشكال تشمل مختلف العلاجات التي تنحصر على الاعراض وتقوم على برمجيات يتم تطبيقها على المرضى. هي بالأساس علاجات سلوكية/معرفية بمختلف تنوعاتها ولا علاقة مباشرة لها بالنفس. يتم التركيز فيها على الأعراض بصفتها اضطرابات سلبية ومرضية بحتة، يرجع تفسيرها الى سلوكيات وأفكار خاطئة يجب تصحيحها أو ترجع الى اختلالات دماغية يجب إصلاحها وترميمها. 

٢- ممارسة عيادية لا يفوتها ملاحظة حضور التحويل   Clinique avec transfert لكنها في الاغلب تكتفي بهذه الملاحظة ويبقى التحويل بداخلها بمثابة عملية سحرية غير خاضعة للضبط المفاهيمي وللتفعيل العملي. هذه الممارسة تنضوي تحت مسمى التوجه الديناميكي الذي يستقي بعض معارفه من سيكولوجيات الأعماق المتعددة.

في الوقت الراهن، يلتقي الصنفان الأول والثاني فيما يسمى بالتوجه التكاملي، انطلاقا من المبدأ الانتقائي القائل بأن الهدف يبرر الوسيلة. فإذا كان الهدف في العلاج مثلا يكمن في التخلص من هذا العرض أو ذاك فلماذا لا نستعمل أي وسيلة أو مجموعة من الوسائل تفدي بنا الى ذلك، المهم هو إعادة تكييف الفرد لوسطه الأسري أو المدرسي أو العملي أو الطائفي...الخ

   

     ٣ - الممارسة التحليلنفسية وتنقسم الى شقين:

-  الشق الأول يخص الممارسة المتداولة في إطار الجمعية الدولية للتحليل النفسي وهي ممارسة ترتكز على تحليل التحويلوتمظهراته إبان الجلسة التحليلية. Clinique du transfert فيتم التركيز على تحليل مقاومات المريض بخصوص استقباله وتقبله تأويلات المحلل.

-  أما الشق الثاني فيخص الممارسة التي تعمل تحت التحويل Clinique sous transfert وهي الممارسة التحليلية اللاكانية التي ترتكز بالأساس على خطاب المتحلل وما يكتنفه من تسلسلات دلالية تكشف في ترابطاتها عن مكامن الرغبة لديه وأيضا ما يبين عنه هذا الخطاب من مرافق تثبيت المتعة في مسار حياته.

 

III- أشكال التحويل في التحليل 

يمكن القول مع فرويد بأن التحليل هو التحويل، بحيث لا وجود لتحليل بدون تحويل. يقارن فرويد التحويل أثناء التحليل بمشرط الجراح خلال عملية الجراحة والذي من دونه لا يمكن إنجاح العملية الجراحية ولا حتى القيام بها أساسا. أما لاكان فيقارن المحلل وهو يتعامل مع التحويل، تماما كما يفعل الجزار بسكينه، وهو يقسط الذبيحة بدراية منه لدقائق مفاصلها.

أولا - لننظر الى هذه المسألة عند فرويد. منذ البداية، ركز فرويد اهتمامه على خصائص التحويل من جانب المتحلل بالأساس. فقسم هذا التحويل الى صنفين: 

-       من جهة، هناك التحويل الإيجابي وهو محرك التحليل. يكون فيه المتحلل في حالة ثقة وتفاعل طيب مع محلله ما يجعله يبوح له بمختلف مشاعره وذكرياته وأفكاره المختلفة تحت طائلة التداعي الحر الذي أصبح قاعدة القواعد التحليلية.

-       ومن جهة أخرى هناك التحويل السلبي الذي تتخلله لحظات قد تقصر أو تطول، يطغى فيها صمت المتحلل عوض تداعيه المسترسل ويغلب لديه فيها الانتباه لشخص المحلل ومكتبه أو أشياء أخرى تبعد المتحلل عن التداعي والتذكر. وفي بعض الحالات يؤدي هذا النوع من التحويل إما الى توقف المتحلل عن مواصلة التحليل أو على العكس الى التمسك بمواصلة الجلسات الى ما لانهاية، حبا في شخص المحلل لكن بدون تحليل. قد يحصل هذا النوع من التحويل عندما تشتد المقاومات في وجه المكبوتات كي يستحيل رفع هذه الأخيرة. لكن غالبا ما يحصل هذا التحويل السلبي من طرف المتعالج، نتيجة ردود فعل منه غير راضية، بل رافضة، وربما عنيفة في بعض الأحيان، تجاه بعض سلوكيات أو تصرفات أو تأويلات المحلل غير الصائبة والتي غالبا ما تكون منافية لسيرورة التحليل الحقة.

ثانيا - وبعد فرويد، في أطار الجمعية الدولية للتحليل النفسي (IPA)، تم إدخال تقسيم إضافي:

-       فمن جهة المتحلل، هناك التحويل الايجابي والتحويل السلبي كما رأينا عند فرويد في النقطة السابقة.

-       وفي الجهة المقابلة، أي من جهة المحلل، تم التركيز بقوة على التحويل المضاد أو المقابل أو المتوازي الذي يتضمن الاحاسيس والمشاعر التي يخلقها تداعي المتحلل في ذهن المحلل إبان الجلسات. يجب التذكير بأن فرويد لم يشر في كتاباته الا مرة واحدة لهذا التحويل الخاص بالمحلل، وخلالها ركز على وجوب تحليله للتغلب عليه وتجاوزه. أما اللاحقين بفرويد في الجمعية الدولية، فلقد تم بالفعل تضخيم هذا الجانب من التحويل وإعلاء شأنه لدرجة جعلوا منه الحجر الأساس في التنظير وفي التحليل، بحيث أصبح تأويل وتحليل تداعيات المتحلل لا يتم إلا من خلاله. وهكذا تم وضع شخص المحلل وأناه كبوصلة ليس فقط للعملية التحليلية وإنما أيضا كمقياس وكمرجعية في تكوين المحللين. بمعنى أخر، أصبح سلوك المحلل وأناه المعيار الأول والقدوة في التحليل وفي تكوين المحللين.   

ثالثا – قام جاك لاكان بانتقاد هذا التقسيم، قائلا إن ما يحصل بين المتحلل والمحلل إنما هو نفس التحويل، هو تحويل من نفس اللُّحمة. أما ما سمي بالتحويل المضاد فما هو الا بدعة ضد التحليل. التحويل المضاد في نظر لاكان، ماهو إلا «مجموع أحكام المحلل المسبقة» أو كما قال أحد تلامذة لاكان: هو انشغال المحلل المهووس بتداعيات المتحلل إذا تواصلت واسترسلت أو بانعدامها إذا نضُبت وتوقفت. 

وهكذا يعود لاكان الى موقف فرويد بخصوص هذه المسألة مؤكدا أن ما يتعلق به الامر بالأساس، ليست احساسات المحلل الخاصة أو أفكاره الشخصية وردود فعله اللحظية على تداعيات المتحلل وكأن العلاقة التحليلية تنحصر بين أنا وأنا أخر. الامر يتعلق أساسا بحقيقة ما أسماه «رغبة المحلل» بمعنى سعة رغبته في استقبال مقال المتحلل ورفع هذا المقال بدون حواجز أنانية أو نرجسية أو ايديولوجية، الى مقام الآخر الكبير حيث يتم التحقق من مصداقية وحقيقة هذا المقال. فالتحويل إذن، كما يقول لاكان «هو حب يسعى لعرفان» وبهذا الفهم، هو شغف مريد التحليل في عرفان لا يعدو المحلل في سبيله سوى مفترَض عارف.  وهكذا أعاد لاكان تقسيم التحويل الى صنفين:

-       فمن جانب، هناك «التحويل التخيلي» (Le transfert imaginaire) وهو الجانب من التحويل الذي عادة ما يعمل على إغلاق اللاشعور، وهو إغلاق غالبا ما يتسبب فيه المحلل في إطار ما سمي بالتحويل المضاد أو المقابل، كما أشرنا. 

-       أما من الجانب الثاني فهناك ما يسميه لاكان بـ«التحويل الرمزي»، (Le transfert symbolique) ويتحقق كلما تمكن المتحلل من بسط سلسلة الدوال المتحكمة في مسار حياته، وكلما تكلم بحق عن خبايا ومنعرجات رغباته المكبوتة. يسمي لاكان ما يحصل على هذا المستوى بـ«الكلام الممتلئ» (La parole pleine) على خلاف «الكلام الفارغ»(La parole vide)  الذي يشغل الكثير من جلسات التحليل والذي يبغي «انا» المتحلل من خلاله التمويه عن حقيقة ذاته وحقيقة رغبتها. فما بالك إن ساعده المحلل في هذا التمويه والضلال! 

رابعا: في هذا الإطار، لابد من الإشارة هنا الى تقسيم أخر لا يقل فائدة، أدخله مصطفى صفوان بين ما يسميه «التحويل التنويمي  (Le transfert hypnotique)من جهة و«التحويل التحليلي»  (Le transfert analytique) من جهة أخرى. وهكذا يعود بنا صفوان الى ما أتى به فرويد منذ البداية (في محاضرته ٢٨ من مدخله التمهيدي للتحليل النفسي)، فرويد يطرح تمييزا وافيا ودقيقا بين التحليل النفسي من جهة وما يمكن أن نسميه، تبعا لتصنيف صفوان السالف الذكر بممارسات التحويل التنويمي، بمعنى العلاجات غير التحليلية وإن نعتت نفسها بصفة السيكو دينامية. 

يقول فرويد بهذا الخصوص: «العلاج بالتنويم يهدف إلى تغطية أو إخفاء شيء ما في الحياة النفسية، بينما يسعى العلاج التحليلي إلى كشفه وإزالته. الأول يعمل كإجراء تجميلي، والثاني كإجراء جراحي. الأول يستخدم الإيحاء لقمع الأعراض وتعزيز الكبت، ولكنه يترك العمليات النفسية التي أدت إلى تكوين الأعراض كما هي. على العكس، العلاج التحليلي يواجه الصراعات التي أدت إلى الأعراض، ويحاول الوصول إلى جذورها». ويضيف فرويد بخصوص التحويل في التحليل: «أما في التحليل النفسي، فإن عملنا ينصب على التحويل نفسه، نزيل كل ما يعوقه، ونوجهه نحونا باعتباره الأداة التي نريد استخدامها». ويضيف أيضا: «هكذا يمكن تقسيم عمل العلاج بالتحليل الى مرحلتين: في الأولى يتم فصل الليبيدو تماما عن الاعراض للتركيز على التحويل؛ وفي الثانية يتم خوض الصراع حول هذا الموضوع الجديد (المحلل)، حيث يتم تحرير الليبيدو في النهاية» ونختم معه مرددين قولته التالية: «وفي هذه النهاية بالذات، يجب أن يتم تدمير التحويل ذاته».

 

 -VI أزمنة التحويل في سيرورة التحليل 

هكذا نرى أن التحليل بالنسبة لفرويد له بداية وسيرورة ونهاية. يبدأ التحليل بالجلسات الاستهلالية ثم يسترسل بإرساء عصاب التحويل La névrose du transfert الذي لا محالة يفتح المجال للعصاب الطفولي La névrose infantile لينتهي مع سقوط التحويل. هذا ما ترجمه لاكان بشكل أدق لما تحدث عن الزمن المنطقي لهذه السيرورة. فالتحليل في نظره يمر بمراحل زمنية تخضع لمنطق السيرورة ذاتها بحيث أن البدايات تمهد لامتدادات تستَوعَب في النهايات التي باحتوائها الامتدادات يحصل معنى يفسح المجال لبدايات جديدة وهكذا دواليك. تماما كما يحصل في جملة ننطق بها. كلمتها الأولى تطلق العنان لمعاني مختلفة تبقى كلها محتملة حتى يتم حصرها في معنى واحد مع آخر كلمة في نفس الجملة. وكذلك الحال في كل جلسة من جلسات التحليل. يقسم لاكان الزمن المنطقي للتحليل الى ثلاث فترات لكل واحدة منها طولها الخاص: لحظة الاستبصار ثم زمن الفهم وأخيرا فترة الاستنتاج والختام. لنلاحظ فقط أن وقت البداية، أي الدخول في تحليل نفسي قصير جدا، في حين أن وقت النهاية هو أطول بعض الشيء. أما الوقت الذي يتوسطهما فهو أطول لما يتطلبه التحليل من تقصي وفهم وإزاحة. 

إجمالا، يمكن القول إن لحظة الاستبصار تقابل الجلسات الاستهلالية التي يتم فيها إرساء ما يسميه لاكان «الذات-مفترض-عارفة». أما زمن الفهم ففيه يتم ترسيخ التحويل الذي يسهِّل تحريك عجلة التكرار وتفعيل تأثير التأويل. خلال هذا الزمن، يتم بسط سلسلة الدوال التي تحكمت في مسيرة حياة المتحلل وأفرزت مختلف أعراضه. وهذا البسط يمَكن من تفقد التماهيات المتتالية التي عملت على تشييء ذات المتحلل في مواضيع متجمدة استجابة لرغبة الآخر. وهكذا يعمل التحويل خلال زمن الفهم على تعرية النكوصات الليبيدية وتليين التثبيتات النزوية. وبقدر تقدم التحليل خلال زمن الفهم هذا، ينتقل المحلل من مقام «الذات-مفترض-عارفة» الى مقام «المحلل-شَبه-موضوع ا». بمعنى آخر ينتقل التحليل من البحث عن المعنى (لأن المعنى لا نهاية له) الى التنقيب في مكامن المتعة المتصلبة والمتجمدة. يتقدم التحليل بإفراغ المعنى وتخفيف كاهل المتحلل من ثقل المعارف المعقدة، المضنية والمتكتلة في تركيبته الهوامية وفي أعراضه كي يصل الى كشف مواضيع المتعة الطفولية وذلك لتعزيز حرية تنقلات الرغبة لديه.

أما خلال فترة الاستنتاج التي ينجم عنها انتهاء التحليل، فمن المنتظر أن يتحقق المتحلل، بمعية المحلل من بعض الأهداف التي سيتم سردها باقتضاب شديد، تاركين الاسهاب فيها لمناسبة مقبلة. خلال فترة الاستنتاج، يتحقق المتحلل إذن من اجتيازه حاجز القلق (الخوف من كل شيء ومن لا شيء)؛ اختراق الهوام والاحاطة بتركيبته؛ التحقق من نقصان الآخر (انعدام الكمال، وسقوط المعرفة المطلقة)؛ توسيع انقسام الذات وتحقيق أكبر قدر من التذويت؛ تقبل نقصان الذات (تحمل الخصاء الرمزي) وتخفيف سطوة النرجسية؛ التماهي بالعرض (الذي فقد قدرته على المرض وانفتاح إمكانية التجديد والابتكار؛ توقف التحويل (سقوط الذات-مفترض عارفة) والتحقق من شُبهة «المحلل-شبَه-موضوع ا».

خاتمة:

بُعيد الحديث عن مسألة اختتام التحليل تأتي لحظة ختام هذه المداخلة، ولا أجد خير ما أختم به قولي من استحضار مثل مغربي يقول «دخول الحمام ماشي بحال خروجو»، بمنطوقه العربي، «دخول الحمام العمومي ليس كالخروج منه». هذا المثل يؤكد هكذا على الفرق بين الدخول والخروج من الحمام لكنه يبقِي الالتباس بخصوص محتوى هذا الفرق ويترك المجال شاغرا لتأويلات عدة بخصوص ما يميز «فترة الخروج» عن «لحظة الدخول». وعلى سبيل المحاكاة يمكنني القول إن الدخول في تحليل نفسي ليس كالخروج منه. فإن كنا معشر المعالجين والمحللين ننادي الناس للدخول فيه أفرادا وربما أفواجا، فإننا ما زلنا، على عكس فرويد ومن بعده لاكان، قليلي التساؤل عن كيفيات الخروج منه بما يحقق فعلا متطلبات التحليل. 


مراجع:

- فرويد سيغموند، «العلاج بالتحليل النفسي»، المحاضرة ٢٨ من كتاب: محاضرات تمهيدية للتحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، مدارك، ٢٠١٤.

- فرويد سيغموند، تقنية التحليل النفسي، ترجمة عبد الهادي الفقير، دار نينوى للنشر والتوزيع، ٢٠١٩.

- مصطفى صفوان، «عملية التحويل في مسار التحليل» في كتاب: فرويد/لاكان/صفوان؛ حوارات في محاور، ترجمة عبد الهادي الفقير، دار نينوى، ٢٠٢١.

- مصطفى صفوان، «اكتمال التحليل ومسألة عبور المتحلل الى مقام المحلل»، في كتاب: فرويد/لاكان/صفوان؛ حوارات في محاور، ترجمة عبد الهادي الفقير، دار نينوى، ٢٠٢١.