لاكان : الذهانات - الفصل 2/25

2
                                  
معنى الهذيان

نقد كريبلين
خمود الديالكتيك
سيغلا والهلوسة النفسحركية
الرئيس شريبر


كلما تقدمنا في دراسة العظام وكلما ظهر ذا دلالة وأبصرنا التعاليم التي يمكننا استخلاصها من التقدم أو من انعدام التقدم - كما تريدون - الذي يميز مجال الطب العقلي.

وفي آخر المطاف، ليس هناك ما هو أكثر مفارقة من لفظ العظام. فإن كنتُ قد اعتنيت المرة السابقة بوضع الحمق في موضع الصدارة، فذلك لأنه يممكننا القول حقا بأن المؤلفين، باستعمالهم للفظ العظام، قد أظهروا كامل الإلتباس الذي يتضمنه استعمال لفظ الحمق، هذا اللفظ القديم والذي يشكل اللفظ المركزي لما هو متداول. 

لم يظهر هذا اللفظ بالأمس القريب ولا مع نشأة الطب العقلي. ومن دون أن ألجأ هنا الى استعراض تبسيطي لقدرات معرفية، أذكركم فقط أن الاشارة الى الحمق تُكون جزءا من لغة الحكمة او ما يُعتبر كذلك. بهذا الصدد فإن كتاب "مدح الحمق" المشهور، يحتفظ بكل قيمته نظرا لتوحيده الحمق بالسلوك الانساني العادي - وإن كانت هذه اللفظة غير متداولة بعد في ذلك الوقت. فما كان يقال آنذاك في لغة الفلاسفة، إنتهى الأمر الى أخذه بعين الاعتبار، بل و بالحرف - وهو منحى تأكد مع باسكال Pascal الذي أقر بلهجة تنم عن الوقار والتفكير بأن هناك، وبدون ريب، حمق ضروري، وأنه من الحمق، بدورة أخرى من الحمق، ألا نصاب بحمق هو حمق كل الناس. (25)

إن هذا التذكير له أهميته عندما نرى المفارقات الضمنية التي تتخلل بديهيات المنظرين. فيمكننا القول أنه قبل فرويد، كان يتم إرجاع الحمق الى مجموعة من الأنماط والنماذج السلوكية، في حين كان أخرون يعملون بتقييم سلوك كل الناس على هذه الشاكلة. إلا أن هذه التفرقة، نموذج مقابل نموذج، لا تبدو للعيان في نهاية المطاف. إذ لم يتم التأكيد الكافي على ما يمَكن من تكوين صورة لما قد يُعتبر سلوكا عاديا بل وقابلا للفهم ، ثم تمييزه عن التصرف العظامي فعلا. 

فلنبق هنا على مستوى التحديدات. إن تقسيم العظام كان بلا ريب أشسع طيلة القرن التاسع عشر منه انطلاقا من نهاية القرن المنصرم، وذلك حوالي 1899، إبان النشرة الرابعة أو الخامسة لكتاب كريبلين. لقد بقي كريبلين لمدة طويلة متمسكا بالمفهوم الفضفاض والذي يعني إجمالا بأن الرجل المتمرس يعرف، بنوع من الحدس، كيف يتعرف على الدليل الطبيعي. فالموهبة الطبية الحقة تَكمن في رؤية الدليل الذي يُصنف الواقع بدقة. فهو لم يُدخل تحديدا أقل فضفاضية الا سنة 1899، حيث أعاد إدخال الذهانات القديمة في إطار الفصام الأوَّلي وذلك بإبتكار باب خصصه لِشبه العظام. لحظتها قدم تحديدا لا بأس به للعظام يمَكن من عزله عن باقي أنماط الهذاءات العظامية التى بقي مختلطا بها حتى تلك الفترة.

كريبلين يقول : "يتم تفريق الذهان عما يخالفه بكونه يتميز بأسباب داخلية تنمو نموا متباطئا. ويتميز أيضا، وفق تطور متواصل، بنظام هذائي مستمر وتستحيل زحزحته. وهو يرسو مرفوقا بحفاظ تام على الوضوح وعلى النظام في التفكير والارادة والفعل....".

فهذا التحديد الوارد بقلم رجل عيادي مقتدر يتميز بكونه يناقض كل المعطيات العيادية نقطة بنقطة. إن كل شيئ به مخالف للحقيقة.

فالنمو ليس بمتباطئ وإنما هناك دوما دفعات، وفترات. يبدو لي، إلا أنني لست متأكدا كلية، بأنني أنا الذي أتيت بمفهوم اللحظة الناضجة. فهذه اللحظة الناضجة هي دائماً حساسة في بداية عُظام ما. وهناك دوما إنقطاع فيما يسميه كريبلين بعد ذلك، بالتطور المتواصل للهذاء تحت تأثير أسباب داخلية. إنه من الجلي جداً استحالة حصر تطور الذهان على العومل الداخلية. ويكفي للتأكد من ذالك، النظر في فصل "علم الأسباب" من موجز كريبلين ثم قراءة وجهة نظر المؤلفين المعاصرين له، مثال سيريو وكابغرا Sérieux et Capgras اللذين يرجع تاريخ عملهما الى خمس سنوات فيما بعد. فخلال البحث من طرف هؤلاء عن الأسباب المفجرة لذهان ما، تتم الإبانة دوما، بعد لحظة الإستقصاء اللازمة، عن عنصر انفعالي في حياة الفرد، عن أزمة حيوية يمكن فعلا ردها الى علاقاته بمحيطه الخارجي. لذا، قد يبدو مدهشا حقا عدم الوقوف على هذه الخاصية عندما يتعلق الامر بهذاء يتميز أساسا بكونه هذاء العلاقات. أذكر بأن هذا اللفظ ليس من ابتكار كريتشمر Kretchmer وإنما هو من إبتكار فرنيك Vernicke. (26)

أَسترسل في قراءة نص كريبلين : " ... تطور متواصل لنظام هذائي مستمر وتستحيل زحزحته....". إنه قول كله خطأ. ذلك أن منظومة الهذاء تتغير، سواء تمت زحزحتها أم لا. على كل، إنها مسألة ثانوية كما يبدو لي. فهذا التغير يرجع الى التواصل السكلوجي، الى تدخلات الخارج، الى استمرار أو اختلال نظام معين في العالم المحيط بالمريض. فالمريض يكون أشد البعد عن عدم اعتبار هذا التغير، فيعمل خلال تطور هذائه الى ضم هذه العناصر اليه وتركيبها بداخله.

"... إنه يرسو مرفوقا بحفاظ تام على الوضوح والنظام في التفكير والإرادة والفعل...". طبعاً، لكنه يجب معرفة كنه هذا الوضوح وهذا النظام. فإذا ما تم التوقف خلال عرض المريض لهذائه على شيئ يستلزم هذه النعوت، يلزم أنذاك تحديد ما تم سماعه منه فعلا. وهذا التساؤل قمين في حد ذاته بإثارة الشك حول هذه المفاهيم التي نحن بصدد عرضها. أما بخصوص الفكر والإرادة والفعل، فإننا، بدل اعتبارها مفاهيم مضبوطة مسبقا، فإننا هنا نحاول تحديدها ارتكازا على عدد معين من السلوكات الواقعية ومن بينها سلوك الحمق. يبدو لنا أنه يلزم إعادة وضع علم النفس الاكاديمي تحت محك الممارسة حتى يمكنه إنتاج مفاهيم تحصل على الدقة الكافية التي تؤهلها للتبادل، على الاقل داخل نطاق خبرتنا.

فإلى ماذا يمكن إيعاز الالتباس الذي وقع حول مفهوم العظام ؟ لأشياء عدة، وربما الى تقسيم عيادي غير مكتمل. أظن أن أطباء العقل المتواجدين بينكم يتوفرون على ما يكفي من المعرفة بخصوص الأنماط العيادية المختلفة مما يمكنهم مثلا، من معرفة بأن هذاء التأويل يختلف كلية عن هذاء المطالبة. لابد أيضاً من التفريق بين الذهانات العظامية والذهانات الشغفية. إنها تفرقة ممتازة تم إعلاء قيمتها من خلال أعمال أستاذي كليرومبو. هذا الذي بدأت منذ الحلقة الفارطة أدلكم على وظيفته ودوره وشخصيته وتعاليمه. إن عطاءه يحظى بأهمية عظمى على مستوى التصنيفات السكلوجية. لكن هل هذا يعني التمادي في بعثرة الأشكال العيادية، والمضي الى نوع من التفتت ؟ أنا لا أعتقد ذلك. إن الشكل المطروح بالنسبة لنا يتعلق بإطار العظام في مجمله.

إنَّ قرنا من العمل العيادي لم يُمكن من يتجاوز الانزلاق الدائم حول هذا الموضوع . فكلما تقدم الطب العقلي بعض الشيئ وتعمق، كلما فقد نصيبا وفيرا من المجال الذي تم فتحه وذلك بسبب طريقته في التنظير والتي تترك تأثيرا مباشرا في المراقبات العيادية. فالتناقض بين الملاحظة وبين التنظير هو أجلى في الطب العقلي منه في أي مجال آخر. (27)

ويمكننا بالكاد القول بأنه ليس هناك خطاب حول الحمق أكثر تجليا وحساسية من خطاب الاطباء النفسابيين وخصوصا حول موضوع العظام. إن هناك شيأ يبدو لي فعلا في صلب المسألة. إنكم لو قرأتم مثلا العمل الذي قمت به حول الذهان العظامي فإنكم سترون بأنني أؤكد على ما أسميه، مقتبسا التعبير عن أستاذي كليرومبو، بالمظاهر الأولية، وبأنني أحاول أن أبين الطابع الجد مختلف لهذه الظواهر عما يسميه بالاستنباط الفكروي، بمعنى ماهو مفهوم لكل الناس.

فلقد أكدت بكل قوة منذ ذلك الحين على أن هذه الظواهر الأولية، ليست أكثر أولية مما يكمن خلف بنية الهذاء بأكملها. إنها أولية بقدرما تكون كذلك، بالنسبة لنبتة، الورقة التي يبدو من عليها تفصيل معين للشاكلة التي من خلالها تتراكب و تندمج الضلوع. إن هناك شيء عام في النبتة بكاملها، تتم إعادة إنتاجه في بعض الأشكال التي تشارك في تركيب الكل. فعلى هذا القبيل، بنيات مشابهة تتواجد من جديد على مستوى الهذاء بتشكيله وتحفيزه وإعطائه مضمونا، وكذلك على مستوى الظاهرة الأولية. بمعنى آخر، إنها دوما نفس القوة المبنيٍِنة التي تفعل في الهذاء، سواء نظرنا إليها من أحد أجزائها أو في كليتها.

فالمهم إذن في الظاهرة الأولية ليس كونها نواة الانبثاق او نقطة مُنغصة على حد تعبير كليرومبو، في داخل الشخصية، تعمل الذات على إحاطتها ببناء، أو بِرَدة فعل ترمي بأليافها لتغلفها كي تبطل مفعولها وفي نفس الوقت لتدمجها، أي لتشرحها كما يقال عادة. إن الهذاء لا يتم استنتاجه. إنه ينشأ من نفس القوة المكوٌنة. إنه هو أيضا ظاهرة أولية. وهذا يعني أن مفهوم العنصر لا يمكن اعتباره هنا مغايرا لمفهوم البنية، بصفتها بنية محددة لايمكن اختزالها في شيئ غيرها بالذات.

هذا البعد الخاص بالبنية كان مجهولا تماماً لدرجة أن الخطاب الذي تحدثت عنه سابقا والذي يدور حول العظام يحمل علامات هذا التجاهل. هي ذي ملاحظة يمكن أن تخبروها في قراءتكم لفرويد ومعظم المؤلفين. ستجدون بخصوص العظام صفحات، بل وفصولا كاملة في بعض الاحيان. إستخرجوها من إطارها واقرؤوها بصوت عال فستجدون فيها روائع من بين ما كتب حول سلوك العادي من الناس. ولا ينقص إلا الشيء اليسير حتى يصلح حتى التحديد للسلوك العادي على ما قرأته عليكم قبل هنيهة من تحديد كريبلين للعظام. (28)

إنكم ستجدون هذا التناقض وبدون انقطاع حتى عند محللين عندما يتموضعون حول ما أسميته قبل قليل بالنمط. إنه لفظ حديث التجلي من حيث تأثيره عبر النظرية التحليلية وإن كان له في هذا الإطار وجود ضمني منذ زمن بعيد. 

ولتحضير هذااللقاء، أعدتُ قراءة مقالة مر عليها الزمن، فهي لسنة 1908، يصف فيها أبرهام Abraham سلوك رجل مصاب بعته مبكر، ويصف كذلك ما يسمى بانعدام انفعاله انطلاقا من علاقته بالأشياء. فهاهو الرجل ولمدة شهور قد راكَم، واحدة تلو الأخرى، أحجارا لا قيمة لها في حد ذاتها ماعدا القيمة الخاصة التي تحظى بها من لدن المريض. وقد حدث أن تحطم المشهد، محدثا صخبا كبيرا في الغرفة بقدر ما تراكم على المشهد من أحجار. بعد ذلك تمت إزالة كل الأحجار وتنظيف الغرفة. لكن هذا الشخص الذي بدا وكأنه يعطي كل القيمة لهذه الأحجار، لم يظهر أي انتباه لما يجري ولم يحتج ولو قليلا على إفراغ كل هذه الأشياء موضع رغبته، بينما نراه يعيد الكَرة بكل بساطة، فيعمل على جمع أحجار أخرى. فهذا هو العته المبكر.

من هذه الخرافة الحِكمية القصيرة، نود لو نُنشئ أسطورة تبين بأن هذا هو ما نفعله دائماً. بل وأكثر من ذلك. إن تجميع وادخار أشياء عديمة القيمة، ثم بُغية استثمارها بين عشية وضحاها، ثم إعادة الكرة ثانية، لهو علامة جد حسنة. فيمكنا القول بإن هناك مغالاة في قيمة الموضوعات عندما يبقى المرأ عالقا بما حصل له إضاعته ولم يعد بأمكانه تحمل الإحباطات الناجمة عن ذلك.  

فهذه الاستنتاجات ذات القيمة البرهانية المزعومة، هي على درجة عالية من الخلط تجعلنا نتساءل كيف يمكن، ولو للحظة، المحافظة على الانخداع بها إن لم يحصل ذلك عن طريق نوع من إبطال الحس النقدي الذي يستحوذ على كل القراء عندما يفتحون أي كتاب ذي مضمون تقني، وبالخصوص عندما يتعلق الامر بخبرتنا وبمهنتنا.

الملاحظة التي أبديتها لكم المرة الماضية والتي مفادها أن الفهم مسألة تنفلت دائماً ولا يمكن التحكم فيها، من الغريب أنه لم يتم أبدا اعتبارها كدرس مبدئي وكقاعدة لا مناص من الانطلاق منها نحو العمل العيادي. إبتدؤوا بعدم الاعتقاد بأنكم تفهمون. إنطلقوا من الفكرة القائلة بسوء التفاهم المركزي. إنها لقابلية أولية وبانعدامها ليس هناك حقا ما يمنعكم من فهم كل شيئ ولاشيئ. فقد يُقدم لكم أحد المؤلفين سلوكا في إطار معين بأنه عبارة عن انعدام الأنفعال في حين أن مؤلفا أخر قد يقول بعكس ذلك. إن تحمل فقدان نتاج ما ثم إعادة إنتاجه، يمكن أن يفهم من خلال دلالات جد متعارضة. وهذا يتم استعمال مفاهيم يُعتقد أن الأمر قد حُسم في مصداقيتها، الا أنها في الواقع ليست كذلك بأي حال. (29)

فها هنا مكمن قصدي. إن الصعوبة في تناول مسألة العظام تكمن بالتحديد في كونها تتواجد فعلا على مستوى الفهم. أما الظاهرة الأولية والتي لا يمكن أختزالها فهي هنا على مستوى التأويل.

2

أريد أن أرجع الى المثال الذي قدمته في السابق. لنفترض أن العالم بدأ يحمل دلالة خاصة بالنسبة إلى هذا الشخص. فما معنى هذا ؟ فهو منذ مدة عُرضة لظواهر تتمثل في كونه يكتشف بأن أشياء معينة تحدث في الشارع. فماهي هذه الاشياء ياترى ؟ عند مساءلته سترون بأن هناك نقاطا تبقى مُلغِزة بالنسبة له وأخرى يتحدث عنها ببساطة. بتعبير أخر، إنه يرمز الى ما يحدث بوساطة الدلالة. وعندما تحاولون التحقق أكثر، تجدونه في الغالب لا يعرف إن كانت هذه الاشياء تحدث لصالحه أم هي مناوءة له. إلا أنه يبحث دوما عما يعنيه سلوك ما لبني جلدته، وعن معنى مؤشر أي تمت ملاحظته في العالم، هذا العالم الذي من غير الممكن بتاتا إعتباره باللا إنساني لانه منظم من قبل الانسان. فعندما حدثتكم بالسيارة الحمراء، كنت أبحث، بهذا الصدد، أن أبين لكم المضمون المغاير الذي يتخذه اللون الأحمر في قيمته التخيلية وفي قيمته الرمزية. فحتى على مستوى السلوكات العادية فإن بعض المؤشرات التي كانت ذات صبغة محايدة حتى الان، فإنها قد تسطبغ بقيمة معينة.

فماذا يقوله المريض في أخر المطاف، خصوصا في مرحلة معينة من هذائه ؟ إنه يقول بأن هناك دلالة. فما هي إذن هذه الدلالة؟ إنه لا يعرف وانما يقر بأن هذه الدلالة تأخذ مكان الصدارة بالنسبة له. إنها تفرض نفسها عليه وأنها لديه لابد مفهومة بكل جلاء. إن العظام يتموضع هكذا حتما على مستوى الفهم كظاهرة غير مفهومة، إن أمكنني القول، ولهذا فهو في نظرنا صعب المنال وذو أهمية قسوى في نفس الوقت.

وهكذا فإن الحديث عن حمق معقلِن، وعن احتفاظ بالوضوح والنظام والارادة بخصوص الهذاء العظامي، يرجع الى كوننا نقبع في مستوى الفهم ولا نتعداه، مهما بلغت درجة تعمقنا للمسألة. وإن كنا قد اعتبرنا أن ما فهمناه، قد بقي من غير الممكن للمريض التلفظ به أوتسميته أوايلاجه في تركيبة تساعد على توضحه، يكون مع ذلك موقفنا قد تم تحديده قبليا على مستوى الفهم. ذلك أن الأمر يتعلق بأشياء قد تبدو وكأنها مفهومة في حد ذاتها. وهذا ما يجعلنا نحس بأننا على عتبة الفهم وأنه لامحالة في متناولنا. (30)

إنطلاقا من هنا ينشأ الوهم التالي : بما أن الامر يتعلق بالفهم فإننا نعمل على التفهم. إلا أن الامر في الحقيقة هو عكس ذلك.

وهذه ملاحظة سبق لأحدنا أن قال بها، إلا أنه توقف عند هذا المستوى الاولي منها. يتعلق الامر بشارل بلونديل Charles Blondel الذي وثق في كتابه حول الوعي المضطرب بأن خاصية الامراض العقلية تكمن في خداعها للفهم. إنه كتاب ذو قيمة وإن كان بلونديل قد رفض بكل تعنت، فهم أقل القليل بخصوص تطور الأفكار. في حين أنه من الأفيد إعادة النظر هنا في قضية الزعم بأن كل شيئ يتم فهمه.
  
إننا نلاحظ أثناء التكوين الذي نقدمه للمتدربين بأنه من الافيد دوما إيقافهم على هذا المستوى. ففي ذات اللحظة التي يعتقيدون فيها أنهم قد فهموا والتي يتسارعون خلالها لملئ الحالة بفهم معين، فإنهم آنذاك يمرون بجانب التأويل الذي يفيد إعطاؤه أو التأويل الذي يصلح كتمانه. فنراهم يعبرون عن موقفهم بقولهم : هذا ما أراد المريض قوله. فنرد عليهم : لكن ما أدراكم بذلك ؟ كل ما هو أكيد هو أنه لم يقله. ففي أغلب الاحيان، إذا ما تم الانصات فعلا لما يقوله المريض، يكون من الأجدى وضع سؤال قد يبدو لوحده كاف لبلورة التأويل الأصح أو على الاقل للتمهيد له.

سأعطيكم الان فكرة عن النقطة التي يصب فيها خطابنا هذا. إنه ليس من المهم أن تكون لحظة ما من إدراك المريض أو من استنباطه الهذائي أو من تفسيره لنفسه أو من تحاوره معكم، قابلة للفهم الى حد ما. فقد يحدث لبعض هذه المظاهر أن تتجلى بصفة تجعلها تُلمح لوجود نواة قابلة للفهم كلية، إن كنتم تتمسكون بهذا الاعتقاد. فقابلية الفهم هذه تبقى بكل تحديد عديمة القيمة. إلا أن ما يثير الانتباه فعلا هو أن هذه النواة تبقى في غير المتناول، جامدة وخامدة بالنسبة لكل ديالكتيك.

لنأخذ مثال الذهان المسمى بالغرامي والذي يبدو جد قريب مما نسميه بالسواء. فإذا ما تم التركيز بصدده حول أهمية المطالبة فلأننا نعتبر أن الشخص يكون في عدم المقدرة على تحمل فقدان ما أو خسارة ما وكل مسار حياته يبدو وكأنه يدور حول هذه الخسارة المتكبدة وحول المطالبة التي تترتب عنها. (31)

وهكذا تحتل السيرورة محل الصدارة لدرجة تبدو وكأنها أكثر أهمية من المسألة الأساس التي تتضمنها. فهمنا أيضاً توقف في الديالكتيك الذي يتمركز هنا على شاكلة جد مخالفة لما هو عليه في الحالة السابقة.
  
لقد أبرزت لكم في الحصة السابقة حول ماذا تدور ظاهرة التأويل. إنها ترتبط بعلاقة الذات مع الاخر، إذا ما أخذنا بالاعتبار تحديد النظرية التحليلية للأنا بكونه نسبيا على الدوام. ففي الذهان العشقي، إن ما تمت تسميته بالنواة القابلة للفهم والتي هي فعلا نواة الجمود الديالكتيكي، تتموقع بكل تحديد على مقربة من ضمير المتكلم ومن الذات. وبالإجمال فأن العمل السريري حادَ عن الصواب عندما تجاهل جذريا ومنذ الأبد، البعد الديالكتيكي الكامن في تمظهرات الخبرة المرضية. ويمكن القول أن هذا التجاهل يميز طبقة من أهل الفكر. فيبدو أنه منذ افتتاح مجال الملاحظة العيادية للإنسان، منذ القرن ونصف التي تأسست فيه هذه الملاحظة مع بدايات الطب العقلي، منذ اللحظة التي اعتنينا فيها بالانسان على هذا المنوال، لقد تم التجاهل الجذري لهذا البعد القائل بالإستقلالية التامة للسمة الديالكتيكي والتي، حسب المعنى الذي يحظى به في العلوم الإنسانية، تبدو حية ومقبولة ومتداولة بكل بساطة في مجالات شتى.

لقد تم الحديث عن عدم اضطراب قدرات الشخص العظامي. فالارادة والتصرف، كما أشرنا قبل قليل لما قاله السيد كريبلين، تبدوان متطابقتان مع ما هو منتظر من أناس أسوياء. الا أن ما ننساه هو أن ما يميز السلوك الانساني يتجلى في الحركية الديالكتية للأفعال والرغبات والقيم والتي تجعلها ليس فقط تتغير دائما وأبدا، وإنما قد تؤدي الى قيم متناقضة يتم بروزها إثر منعطف أثناء التخاطب. فهذه حقيقة نعثر عنها في الخرافات الأكثر شعبية وهي تبين بأن ما قد تم حلوله لحظةً من فقدان أوخسارة، ينقلب في اللحظة اللاحقة الى سعادة وافرة مهداة من الآلهة. إن إمكانية إعادة النظر في الرغبة وفي التعلق بل وفي الدلالة الاكثر ثباتا بخصوص أي نشاط إنساني، بمعنى إمكانية الانقلاب المتواتر لإشارة ما حسب الديالكتيكية الكاملة لموقف الفرد، هي بمثابة خبرة جد عادية لدرجة تجعلنا نندهش لعدم انتباهنا لهذا البعد كلما كنا بصدد الاهتمام بنظيرنا، وبالخصوص عندما نريد تشييئه.

إلا أن هذا البعد لا يتم نسيانه دوما وكلية، ذلك أننا نقف على أثره كلما قبِل الملاحِظ الاقتياد طواعية بما يحس به قبالة ما يحدث فعلا. ففي إطار هذا "الحمق العاقل"، قد تؤدي مسألة التأويل الى مختلف أنواع اللبس. (32)

لقد تم الحديث عن الذهان التركيبي، إلا أن هذا اللفظ الاخير كان من الممكن أن يكون خصبا في عطائه لو تم الإنتباه الى ما كان يتم التحدث به، بمعنى أن اللغز هنا يكمن حقيقة في تركيبة الظواهر. 

إن السؤال الذي قمنا برفعه بما فيه الكفاية في خطابنا كي يحظى بكامل قيمته هو التالي: من المتحدث ؟ يجب أن يحتل هذا السؤال محل الصدارة في مسألة الذهان. لقد أوضحت لكم عندما ذكرتكم بالميزة المركزية للهلوسة اللفظية في العظام. إنكم على علم بما مر من وقت قبل الوقوف على ماهو كامل التجلي في بعض الاحيان وعلى كل حال، والذي مفاده أن الفرد يتلفظ بما يدعي سماعه. من أجل ذلك كان لابد من الإشارة الى السيد سيغلا Siglas وإلى كتابه " دروس سريرية". فلقد أثار الإنتباه منذ بداية حياته المهنية وبقسط وافر من العبقرية، إلى أن الهلاوس اللفظية تحدث لدى أناس يمكن أن نلاحظ، ببساطة لدى البعض وبشيئ من التحري لدى البعض الاخر، بأنهم يتلفظون بعلم أو بغير علم منهم بنفس الألفاظ التي سبق أن اتَّهموا الأصوات التي تعتورهم بالتلفظ بها. فهذا الاكتشاف بأن الهلوسة اللفظية ليس مصدرها من الخارج قد شكل ثورة صغرى في إطار الطب العقلي. الشيء الذي أدى إلى الإعتقاد الراسخ بأن مصدرها في يكمن داخل الفرد. وهل هناك أكثر استهواءا من الاعتقاد بأن هذه الهلوسة هي بمثابة رد على دغدغة بقعة تسمى بالحسية ؟ إلا أن معرفة ما إذا كان تطبيق هذا الإعتبار في مجال اللغة تبقى عالقة. بمعنى آخر، هل هناك هلاوس لفظية محضة ؟ أليست هذه الهلاوس نفسحركية الى حد ما وعلى الدوام ؟ وهل يمكن فصل ظاهرة الكلام بأشكالها السوية أو المرضية عن هذا الحدث الجلي والمتمثل في كون الشخص عندما يتكلم فإنه يستمع لذاته ؟ فكون شخص آخر ليس هو الوحيد من يستمع اليكم، يشكل أحد الأبعاد الاساسية لظاهرة الكلام. لذا فمن المستحيل اختزال ظاهرة الكلام في الخطاطة المستعملة من طرف بعض نظريات ما يسمى بالتواصل والتي ترتكز على قطبي المرسِل والمرسَل اليه وما قد يُتداول بينهما. لقد نبدو هنا وكأننا تناسينا أن ما يميز الكلام لدى الانسان، بالاضافة الى أشياء أخرى، هو أن المرسِل يكون هو عينه المتلقي وأننا نسمع صوت كلامنا. فمن الممكن الا ننتبه لذلك، لكن من الاكيد أننا نسمعه.

ملاحظة جد بسيطة كهذه تغمر مسألة الهذاء اللفظي بكامله. إلا أنه تم إرجاعها إلى منزلة ثانوية في تحليل هذه الظواهر وذلك ربما لتجليها الساطع. وعلى كل حال، فإن ثورة سيغلا البسيطة لم يكن بإمكانها إمدان بمفتاح اللغز. (33)

ذلك أن سيغلا قد توقف عند الاستعراض المظهري للهلوسة. وإن كان قد تراجع عما كان في نظريته الاولى من نزعة متشددة فاعاد الى بعض الهلاوس، التي لم يعد من الممكن تنظيرها عل هذا المستوى، مكانتها اللائقة بها. أضف الى ذلك أنه أتى بإيضاحات سريرية وبدقة في الوصف لا يمكن تجاهلها وإني أنصحكم الاطلاع عليها. 

أما في ما إذا كان بعض من مراحل تاريخ الطب العقلي ذو فائدة، فإن ذلك مرده ليس الى العطاءات الإيجابية الواردة منه وإنما الى الاخطاء التي صدرت عنه. إلا أنه لا يمكننا الاكتفاء باستعادة الخبرة السلبية لهذا المجال وإعادة البناء فقط ارتكازا على الأخطاء. فمجال الأخطاء هذا وفير لدرجة يبدو وكأنه من غير الممكن نفاذه. يلزمنا إذن اتباع طرق غير متداولة لمحاولة الولوج الى قلب المسألة. وسنفعل ذلك مقتدين بنصائح فرويد، وبرفقته سندخل في تحليل حالة شريبر.  

3

خرج شريبر من مصحة الأستاذ فليشسيغ Flichsig وهو معافى كلية على ما يبدو وبدون عقابيل، بعد مرض قصير متمثل في هذاء وسواس المرض حدث له بين 1884 و1885 وهو يشغل منصبا ذي أهمية في القضاء الألماني.

بعدها قضى خلال ثمان سنوات حياة تبدو عادية إذ صرح هو نفسه بأن سعادته العائلية آنذاك لم تتكدر إلا بتأسفه لعدم إنجابه وليدا. وفي نهاية الثمان سنوات هذه، عين رئيسا لمحكمة الاستئناف بلايبزغ Leipzig. وبما أن إخباره بشأن هذه الترقية البالغة الأهمية حدث قبيل فترة العطلة الصيفية، فإنه شغل وظيفته في شهر أكتوبر. ولقد كان وقتها، وكما يحدث غالبا في جل النوبات النفسية، في حالة يبدو فيها وكأن وظيفته قد تجاوزت طاقاته. فهو لم يكن بعدُ كهلا وهو في الواحد والخمسين من عمره كي يترأس محكمة بهذا المقام. لذا فإن هذه الترقية قد أفزعته شيئا ما. لقد وجد نفسه بين أناس أكثر منه خبرة وأدرى منه في تدبير الشؤون المعقدة. لذا فإنه وقع لمدة شهر في حالة ارتباك ذهني حسب تعبيره وعاودته اضطرابات مختلفة كالأرق والهذيان وظهور أفكار ذات مضامين متصاعدة الإزعاج الى درجة أدت به الى الإستشارة مرة أخرى. 

فتم احتجازه طبيا في المستشفى من جديد، وذلك أولا في مصحة الاستاذ فليشسيغ السابق ذكرها، ثم بعد إقامة وجيزة بمصحة الدكتور بييرسون Pierson بدريسد Dresde، تم نقله الى عيادة سومينستاين التي قام بها حتى سنة 1901. (34)

فهمنا سيتنقل هذائه بسلسلة من المراحل ترك لنا عنها، كما يمكن معاينته، تحقيقا أكيدا منظما بشكل رائع كتبه خلال الشهور الاخيرة من احتجازه الطبي. إنه لم يُخفِ على أحد، عندما كان يطالب بحقه في الخروج، بأنه سيطلع الانسانية جمعاء بتجربته قصد إعلامها بالكشوفات الهامة التي تتضمنها والتي قد تفيد الجميع. 
نُشر هذا الكتاب سنة 1903 بعد خروجه وأثار اهتمام فرويد سنة 1909. لقد تحدث عنه  أثناء العطلة مع فيرنشزي Ferenczi، وفي شهر ديسمبر كتب فرويد "بحث حول السيرة الذاتية لحالة من العظام الهذائي".

سنقوم  هنا وبكل بساطة بفتح كتاب شريبر "مذكرات مريض بالاعصاب". إن الرسالة التي تتصدر الكتاب والموجهة الى المستشار الخاص، الاستاذ فليشسيغ، تبين بوضوح الوسيطة التي يتم لشخص هاذي من خلالها إنتقاد المواضيع التي له بها أكثر الارتباط والتعلق.

وهذا شيئ، خصوصا بالنسبة لمن ليست لهم منكم خبرة بهذه الحالات، له قيمة تستحق الوقوف عندها. فإنكم سترون بأن الدكتور فليشسيغ يحتل مكانة مركزية في تركيبة هذيان شريبر.
(لاكان يقرأ الرسالة من الصفحة 11 الى الصفحة 14.)

يمكنكم استحسان نبرة اللطف والوضوح والنظام. إن الفصل الاول تشغله نظرية تتعلق على ما يبدو بالإله و بالخلود. ثم إن المواضيع التي يتمركز حولها هذيان شريبر تصبو الى إعطاء الأعصاب وظيفة أولية في مضمونه.

قراءة الفقرة الاولى، ص. 23 - 24

فها هنا كل شيئ. إن هذه الاشعة التي لا تعرف حدودا والتي تتجاوز معالم الذات الانسانية بحد ذاتها، تشكل الشبكة الشارحة والمعاشة في نفس الوقت والتي ينسج مريضنا حولها نسيج هذائه بكامله. 

فما هو أساسي له علاقة بالربط بين الأعصاب، وبالأخص بين أعصاب المريض والأعصاب الالهية، ويتضمن مجموعة من الطوارئ من بينها مايسمى بإضافة الأعصاب والتي هي بمثابة انجذاب بإمكانه وضع المريض في حالة تبعية لبعض الاشخاص، وتجعله يتخذ داخل هذائه مواقف محددة تباعا لنواياهم. إن هؤلاء الاشخاص، أبعد من أن يكونوا عطوفين في البداية، وذلك، على أقل تقدير، لما يختبره من كوارث تحدث له من قِبلهم. ثم أثناء الهذاء، نجدهم قد تغيروا وتم إدماجهم في تطورية أكيدة. فنرى كيف تغلبت شخصية الدكتور فليشسيغ على بداية الهذيان وكيف سيطرت على نهايته بنيةُ الإله. فهناك إثبات بل وتطور ملموس للأشعة الإلهية التي هي مصدر الأرواح. إلا أن هذا ما لا يمكن اعتباره بمثابة هوية الأرواح. ذلك أن شريبر أكد بأن خلود الأرواح هذه لا يمكن أختزاله وإرجاعه الى مستوى الشخصية، ذلك أن احتفاظ الأنا بهويته لا يقتضي برهانا بالنسبة له. فلقد قال كل هذه الاشياء بنوع من الجدية لا تجعل نظريته غير مقبولة.

أما بخصوص هذه الأعصاب، فلقد قدم بشكل دقيق، تصويرا متحولا مفاده أن الإحساسات التي يتم تسجيلها تتحول فيما بعد الى مادة خام تعمل، عند إدماجها في الاشعة، بإمداد وتزويد الفعل الالهي ويمكن دوما هكذا استعمالها في ابتكارات مستقبلية.

إن دقائق هذه الوظائف لها أكبر الأهمية وسنرجع الى ذلك. أما ما يتضح منذ الان فهو كون التكلم من طبيعة هذه الاشعة الإلهية. إن هذه ملتزمة بذلك ولابد لها من الكلام. وروح الأعصاب تتطابق مع ما يسمى "اللغة المركزية" والتي سأبين لكم بقراءة بعض المقاطع المناسبة، الدقة الفائقة التي بذلها المريض في تحديدها. إنها تقترب من لغةٍ ألمانيةٍ رفيعة النكههة، ويتخللها استعمالٌ جد متقدم للتلميح تم الدفع به الى درجة اعتماد سطوة الكلمات الملتبسة المعنى. وسوف أقدم لكم قراءة هذه المقاطع فقرة فقرة وبطريقة فعالة في المرة المقبلة. 

إنه لمن المثير هنا التوقف على علاقة قرابة ملفتة للإنتباه بين ما رأيناه وبين مقالة فرويد المشهورة حول ازدواجية المعنى للكلمات البدائية. إنكم لتتذكرون بأن فرويد اعتقد الوقوف على تماثل بين اللغة وكذلك اللاشعور الذي لا يقبل أي تناقض وبين هذه الكلمات التي تتميز بالإشارة الى قطبين متعاكسين لسمة أو خاصية، على منوال كلمات الجيد والسيئ، الشاب والكهل، الطويل والقصير، الخ. لقد قدم السيد بنفنيست Benveniste بصدد مقالة هذه نقدا دقيقا من وجهة الألسني في محاضرة ألقاها السنة المنصرمة. وعلى الرغم من ذلك، فإن ملاحظة فرويد تستمد كل قيمتها وفعاليتها من تجربة العصابيين. وما يمكن أن يبرهن على مصداقيتها فهو التوكيد الذي يقدمه لها هنا المسمى شريبر.

إن الهذيان الذي ستبصرون غناه، يبرز تشابها مثيرا، ليس فقط على مستوى المضمون أو رمزية الصورة وإنما على مستوى التركيبة وعلى مستوى البنية ذاتها، بالاضافة الى بعض المعالم التي يمكننا نحن العمل على استخلاصها من خبرتنا. فبداخل نظرية الأنصبة الربانية المتكلمة والتي يمكن للمريض إدماجها وإن كانت منفصلة كلية، بإمكانكم استشفاف شيئ لا يختلف كلية عما أعَلمكم بخصوص الطريقة التي يجب من خلالها وصف سيرورات اللاشعورات. (36)

إن حالة شريبر تصبغ طابع الموضوعية على بعض البنيات المفترض صحتها نظريا - مع إمكانية الانقلاب المرتقب لاحقا. فهذه مسألة تطرح بشأن كل تركيبة انفعالية داخل هذه المجالات الوعرة التي نتنقل فيها عادة. ولقد أبدى فرويد نفسه بهذه الملاحظة بالذات حيث أكد على هذا التماثل والتقابل الذي أذكره. لقد سجل في نهاية تحليله لحالة شريبر بأنه لم ير بعد أقرب من نظريته حول الليبيدو وما تتضمنه من انقطاع في الإستثمار ومن ردود فعل الإنفصالية ومن حالات تأثير عن بعد، بقدر نظرية  شريبر حول الاشعة الربانية. الا أن فرويد لم ينفعل من جراء ذلك، لان مجمل عرضه يصبو الى القول بأن هذيان شريبر يبرز تقاربا مثيرا بين بنيات التبادل البيشخصية والبنيات النفسية الفردية. 

فكما ترون، نحن هنا بصدد حالة حمق جد متقدمة. ويعطيكم هذا المدخل الهذائي فكرة عن الطابع المختل لخزعبلات شريبر. إلا أننا بفضل هذه الحالة المثالية وبفضل عقل فرويد الثاقب، نجدنا نحصل ولأول مرة على مفاهيم بنيوية يمكن استجلاؤها في كل الحالات. إنه استكشاف خلاب ومنير في نفس الوقت، يمَكن من إعادة تصنيف الذهان اعتمادا على ركائز جديدة كل الجدة. وكذلك نجد في نص الهذاء بالذات حقيقة غير مكتومة وغير مخبأة عكس ما نجده في العصابات، فنجدها متجلية بكل وضوح وقد تم تنظيرها الى حد ما. إن الذهان يقدم هذه النظرية، ليس فقط لحظة إمساكنا بمفتاحه وإنما منذ اللحظة التي يتم اعتبارنا إياه كما هو حقا وفعلا أي بكونه ضِعفا مقروءا بكل وضوح لما يَقترب منه البحث النظري.

فهاهنا تكمن السمة المثالية لمجال الذهانات والذي اقترحت عليكم الاحتفاظ له بفسيح المجال وبقدر وافر من الليونة وهذا ما يبرر إعطائنا له انتباها خاصا.


23 نونبر 1955 (37)