
أوجه «الفعل» الأربعة في التحليل النفسي
(الفعل الهفوي، التمثيل بالفعل، المرور الى الفعل، والفعل التحليلي)
عبد الهادي الفقير
١- الفعل الهفوي، فعل ناجح
في كتابه « سيكو باثولوجيا الحياة اليومية» الصادر سنة 1901، جمع فرويد للمرة الأولى عددًا من الأفعال تحت عنوان «الهفوات» أو «الزلات». وتتميّز الزلّة بكونها فعلًا يبدو فيه «الأثر المخفِق هو العنصر الأساسي».
يُعَدّ هذا الفعل «مخفقًا» من حيث إنه لا يتحقق وفق النية الواعية. غير أنّه، عند فرويد، يكون ناجحًا بقدر ما أنّ فكرةً أخرى، لا-واعية هذه المرة، قد حرّفت مسار الفعل الأولي. ويورد فرويد أمثلة شخصية متعددة، قام بتحليلها «لاحقًا». وتُظهر هذه الأمثلة «نية لا واعية» كثيرًا ما تتكثف في لعبة لفظية أو في التباس دلالي.
ومن الأمثلة التي عرضها في الصفحتين 223-224 من «سيكو باثولوجيا الحياة اليومية» يترق فرويد لحادث وقع له خلال وظيفته كطبيب، حيث كان يشرف منذ سنوات على علاج سيدة مسنَّة بمعدل مرتين في الأسبوع. كان العلاج يقتضي حقنها بالمورفين وتقطير بضع قطرات من دواء للعين. غير أنه، في لحظة شرود شديد، قطّر لها المورفين في عينيها. إنها إذن زلّة كانت – لحسن الحظ بالنسبة للسيدة، وكذلك لفرويد – بلا خطورة طبية كبيرة.
وفي سعيه لفهم هذا الخطأ، خطرت بباله العبارة التالية: «تدنيس العجوز». وهذه العبارة بالألمانية تكثّف معنيين فرنسيين هما: الخطأ والتدنيس. لقد رافق ذلك كون فرويد آنذاك على وشك الإمساك بفكرة كونية أوديب، وكان تحديدًا يفكر في حُلم سفاح القربى الذي رواه له في اليوم السابق مريض شاب، ويفكر أيضا في كون العمر الحقيقي للأم لا أهمية له حين يتعلق الأمر برغبة سِفاحية. وهكذا يبيّن فرويد أنّ الباحث، المنخرط في نسيج أسئلته اللاواعية الخاصة، قد تغلّب في فعله الهفوي على المعالج.
يُظهر لنا فرويد هنا أنّ الفعل، كما يمكن الإمساك به من خلال جانبه المخفِق، يحمل دلالة لا-واعية، غير أنّ هذه الدلالة لا تنكشف إلا في «الأثر الرجعي» من خلال التداعي الحر.
ويستأنف جاك لاكان هذه الاعتبارات الفرويدية ليعمّق بُعد الفعل. فالفعل، هنا، يبدو كعمل معتم لكنه مشحون ببُعد دالّ. إنه حامل لقولٍ ينبغي لاحقًا استخراجه منه. فالفعل لا يقول بذاته، بل «هو ما يريد أن يقول»، ولذلك يحتاج إلى تأويل، غير أن هذا التأويل لا يتم إلا عبر تعثره، حيث يمكن أن ينشأ مكسب في المعرفة. كما يقتضي هذا التأويل اللجوء إلى منهج التداعي الحر لتحديد الدلالة اللاواعية للفعل انطلاقًا من جانبه المخفِق.
وبحسب لاكان، يُستخلص الفعل هنا من مفارقة القول والرغبة: فإذا لم يقل في البدء، فلأن الرغبة تحمل عدم توافق بنيوي مع الكلام. وإذا كان الفعل «يريد أن يقول»، فلأنه نتاج رغبة مدعومة بدوالّ، تتقدم من خلالها مقنّعة.
كما أن الفعل هو النتيجة القصوى للرغبة، علمًا بأن هذه الأخيرة لا تتجه نحو الموضوع الذي يبدو أنها تستهدفه بوعي، بل نحو سببها، الذي تجهله الذات تمامًا. وهذا السبب هو ما يسمّيه لاكان الموضوع «ا»، وهو العامل الحقيقي للفعل.
٢- «التمثيل بالفعل» و«المرور إلى الفعل»
التمثيل بالفعل صيغة أخرى من الفعل تُصادَف كثيرًا في الممارسة التحليلية. وهو تعبير إنجليزي Acting out يدل على خرق القاعدة الأساسية التي يشكلها التداعي الحر.
في كتابه موجز التحليل النفسي (١٩٣٨)، كتب فرويد ما يلي: «ليس من المرغوب فيه إطلاقًا أن يتصرف المريض – خارج إطار التحويل – بدل أن يتذكر؛ والـأمثل، بالنسبة لهدفنا هو أن يتصرف خارج التحليل بشكل طبيعي بأكبر قدر ممكن، وألا يُظهر ردود فعله غير الطبيعية إلا داخل التحويل». ويتضح هنا أن «التمثيل بالفعل» مرتبط مباشرة بدينامية التحويل: ففي العلاقة التحويلية، تنساق الذات إلى الفعل بدل التداعي.
أما «المرور إلى الفعل» فهو معروف في الطب النفسي، حيث يدل غالبًا على أفعال عنيفة وعدوانية، ذات طابع اندفاعي وجنحي.
فرويد لم يتناول «المرور إلى الفعل» في إطار الاضطرابات «الخطيرة» كما في الطب النفسي وإنما انطلاقًا من ظواهر الحياة اليومية. لقد اهتم خصوصًا بالفعل الانتحاري، وأدرجه ضمن «الزلات»، مبيّنًا مثال «الانتحار شبه المقصود» الذي يتخذ من الحادث ذريعة للتخفي. وهكذا وضع فرويد الانتحار إلى جانب الظواهر الأقرب إلى السلوكات غير المرضية من أمثال النسيان، وزلات اللسان، والأفعال الهفوية.
أما عند لاكان، فتختلف بنيويًا وضعية الذات في «التمثيل بالفعل» عنها في «المرور إلى الفعل». ففي الأول، يتعلق الأمر بمسرَحَة فعل على صلة بحقيقة الذات الحميمية. تعرض Geneviève Morel، في كتابها: «Clinique du suicide»، مثالًا موجزًا يخص مريضة خضعت في سن الرشد لعملية جراحية بسبب تشوه قلبي، إلا أنها استمرت في الشكوى من ضيق التنفس. أما تحليلها النفسي التي خاضته فيما بعد، فقد مكنها من إدراك أن شكواها ذات قيمة مجازية أكثر منها طبية.
ففي لحظة من لحظات التحليل، أفصحت للمحلل أنها اعتادت في طفولتها، أمام أمها، أن تدور حول نفسها في حالة إثارة شديدة حتى تسقط أرضًا لاهثة. وأدرك المحلل أن هذه اللعبة كانت مسرَحة انتحارية مبكرة موجّهة إلى الأم على شكل عتاب، امتد أثره في حياتها الراشدة. كذلك كانت المريضة تعلم أنها وُلدت بـ«نفخة قلبية»، فكان الأهل يكررون عليها ضرورة «الانتباه». أصبحت آنذاك مذعورة من الموت إلى أن وجدت طمأنينتها حين تذكرت في جلسة من الجلسات، أول تجربة استمناء في الثالثة من عمرها، والتي صارت تلجأ إليها فيما بعد ضد القلق. وهكذا حلّ اللهاث الجنسي محل «نفخة القلب». لكنها في سن الرشد رفضت العلاقات الجنسية خوفًا من الموت بعد النشوة، فعاد اللهاث الجنسي ليغدو «نَفَس الموت». فهذا المثال المقتضب يبين كيف يمكن لعملية «التمثيل بالفعل» أن تكشف عقدة الجنس والموت.
فخلال الـتمثيل بالفعل تخاطب الذات «الآخر» عبر تمثيل يُؤدَّى على مسرح العالم، حيث لكلٍّ دوره. ومثله مثل العرض، فهو نداء موجّه إلى الآخر. ويقول لاكان في سيميناره عن «القلق»، إن الـتمثيل بالفعل هو أساسًا شيء يُظهِر نفسه في سلوك الذات، وله طابع استعراضي موجّه إلى الآخر.
في هذا المضمار، يستعيد لاكان حالتين من عيادة فرويد، أولهما حالة الشابة المثلية، حيث يتمثل الـتمثيل بالفعل في علاقتها بسيدة ذات سمعة مشبوهة، وثانيهما، حالة دورا في علاقتها بأسرة K.
أما «المرور إلى الفعل»، فعلى العكس، يقتضي سقوط الذات خارج المشهد. فهو يسير عكس تحقيق الرغبة، «ولا يتم إلا في الاتجاه المعاكس»، كما يقول لاكان. إنه يقصُر الرغبة عبر الدفع، ويستهدف الواقعي مباشرة وبعنف.
بدورها، جينيفييف موريل تستحضر بهذا الخصوص حالة شاب حاول الانتحار بالقفز من برج كهربائي. وبعد عامين، لم يكن قادرًا على تذكر دوافع فعله. غير أنه أفصح لاحقًا عن موت أبيه في حادث سبّبته الأم، دون أن يشعر بحزن آنذاك. ومنذ ذلك الحين، صارت الموت مألوفة لديه. ويمكن افتراض أن عالمه انقسم لحظة موت الأب: كأنه «مات» معه، بينما بقيت الأم والأخ الأكبر في الجانب الآخر. وحين أظهرت الأم تفضيلها للأخ، لم يبقَ أمامه إلا «قفزة» لينضم إلى الموضع الذي كان فيه لا-واعيًا منذ موت الأب.
وهكذا فإن العجز عن القول بعد المرور إلى الفعل ليس بالضرورة سوء نية، بل هو أثرٌ لرفض اللاوعي الذي كان قد عجل بالفعل.
ويشترط المرور إلى الفعل شرطين: تحديد الذات مع الموضوع «الموضوع «ا»، وانسداد المواجهة مع «رغبة الأب» التي تؤسس القانون. وفيه «تندفع الذات وتسقط خارج المشهد»، كما يقول لاكان.
٣- «الفعل التحليلي» وخصائصه
في التيار التحليلي ما بعد الفرويدي، كادت مسألة «الفعل» أن تكون غائبة، إذ على نموذج الفعل الطبي، لم يتم التمييز بين الفعل التحليلي L’acte analytique عن الفعل الحركي L’action . لكن هل يمكن قياس ما يحدث في التحليل على هذا النموذج؟
يرى لاكان أن ذلك يقود إلى مأزق، ولذلك خصّص له سيميناره سنة 1967 بعنوان «الفعل التحليلي». وتناول فيه علاقة الفعل بأسئلة مركزية: ما الذي يجري في التحليل؟ ما المنتظر من نهايته؟ وما معنى أن يصير المرء محللًا نفسيًا؟
ويؤكد لاكان أن الفعل التحليلي لا يُختزل في حركة أو تصرف معين، بل يتميز ببُعدين أساسيين وهما:
ا- بُعد الدالّ: وهو ما كشفه الفعل الهفوي. فالفعل الذي يبدو مُخفقًا يحمل قيمة دالّة، وتنكشف حقيقته في الأثر الرجعي. وهذه القيمة ليست مضافة إليه من الخارج، بل كامنة فيه منذ البدء.
ب- بُعد العبور (الاجتياز)
في بداية التحليل، يشكّل الدخول فيه عبورًا لا يتم إلا بقرار والتزام من المريض ليصير مُتحلِّلًا. وفعل المحلل يتمثل في دعم موقع «الذات-مفترَض-عارفة»، وهو شرط الوصول إلى الحقيقة بوصفها سبب الرغبة.
في نهاية التحليل، يحدث عبور آخر يتمثل في نزع افتراض المعرفة عن المحلِّل. فتسقط مكانته كذات مفترض عارفة وداعمة للتحويل، وهكذا يتم، في آخر المطاف، سقوط المحلل كموضوع وليس كنموذج يُحتذى. ويتجلى أثر ذلك في يقبل المتحلل خصاءه وانقسامه الذاتي، ويتخلى عن مطاردة السُّرُب التي جمّدت كيانه في هويات مثالية متصلبة.
Références
ANDRE Serge., Devenir psychanalyste… et le rester, QUE, 2003.
LACAN Jacques. Le séminaire, Livre X, L’angoisse, (1962-1963), Paris, Seuil, 2004
MOREL Geneviève, (sous la direction de) Clinique du suicide, Ères, 2002.
SAFOUAN Moustapha, « L’Acte psychanalyse (1967-68) », in Lacaniana : les séminaires de Jacques Lacan, T2, Paris, Fayard, 2005, pp. 169-189.