مدخل لمسألة الذهانات
الفصام والعظام
السيد دو كليرومبو
سراب الفهم
من الإنكار الى الإلغاء
الذهان والتحليل النفسي
نبتدئ هذه السنة بمسالة الذهانات.
أقول "مسألة" بحيث لايمكننا، كما أطلعكم بذلك إشعار سابق، الحديث مباشرة عن "علاج" الذهانات وبالأحرى عن علاج الذهان لدى فرويد Freud الذي لم يتحدث عن ذلك أبدا وإلا بطريقة إيمائية جدا.
إننا سننطلق من المنظور الفرويدي كي نقوم بتقدير ما قدمه فرويد في هذا المجال، إلا اننا لن نتوان في إدخال المفاهيم التي أعددناها خلال السنوات الماضية ولن نتوان أيضا في معالجة كل القضايا التي تطرحها الذهانات علينا اليوم. فمن بين هذه القضايا نذكر أولا العيادية منها والتصنيفية والتي بدا لي أنه لم يتم بعد استخلاص كل الفوائد التي يعطيها التحليل بصضدها. وهناك أيضا قضايا العلاج التي هي هدفنا والتي لابد أن يتناولها عملنا هذه السنة. فليس من قبيل الصدفة إذن كوني وضعت كعنوان ذاك الذي سنختتم به. فلنعتبر ذلك فلتة لسان، إلا أنها فلتة ذات دلالة.
1
أريد التأكيد على شيئ غالبا ما يتم إغفاله. في كل ما تم ويتم القيام به بخصوص علاج الذهانات، فإن الأولوية تعطى للفصامات بالنسبة للعظامات حيث يتم الأهتمام بالأولى بشدة ويُتوخى منها نتائج كبرى.
لكن، بعكس ما سبق، لماذا يحتل العظام في المنظور الفرويدي مكانة متميزة ؟ ربما سنقضي وقتا طويلا قبل الإجابة على هذا السؤال الذي سيلازم تفكيرنا بصفة ضمنية. طبعا إن فرويد لا يجهل الفصام، إذ أن حركة تكوين هذا المفهوم كانت معاصرة له. وإن كان فعلا قد اعترف بمدرسة زوريخ التي شجع أعمالها وأُعجب بنتائجها، ثم جعل النظرية التحليلية مرتبطة بما كان يتم إنجازه حول بلولر Bleuler، فإنه رغم ذلك بقي بعيدا عن كل ذلك المجهود الى حد ما. إن اهتمامه أولا وأساسا كان من نصيب العظام. ولكي أدلكم توا على نقطة استدلال يمكنكم الإستعانة بها، أُذَكركم بأن فرويد في نهاية عرْضه لحالة شريبر Schreber والذي يشكل أهم ما قدمه حول الذهانات، قد سطر مِقسم المياه، إن صح التعبير، بين العظام من جهة ومن جهة أخرى، بين ما يحلو له، كما يقول، تسميته بالهذاء الفصامي والذي يقابل بكل دقة مجال الفصامات. إن هذا لمعيار ضروري لفهم ما سنقوله فيما بعد، ذلك أن حقل الذهانات، بالنسبة لفرويد، ينقسم الى قسمين.
فماذا تتضمنه كلمة ذهان في حقل الطب النفسي ياترى؟ إن الذهان ليس خبَلا. فالذهانات، إن شأتم ـ ولنسمح لأنفسنا قسطا من الترف باستعمال هذا اللفظ ـ هي ما يقابل ما سميناه دائما وما نواضب بكل عدْل على تسميته بالحمق الذي عمد فرويد الى اقتسامه شطرين. إنه لم يهتم بمسألة التصنيف بخصوص الذهان كثيراً، إلا أنه حيال النقطة السابقة كان جد واضح. ونظرا لقيمة القائل بهذه التفرقة فلن يمكننا اعتبارها وكأنها عديمة الأهمية. فبخصوص هذه المسألة لم يكن فرويد على اتفاق تام مع عصره. أكان متأخرا عنه جدا أم جد سباق ؟ هنا موضع التساؤل. فقد يبدو لأول نظرة وكأنه جد متأخر.
ليس بإمكاني هنا أن أطلعكم على تاريخ مفهوم العظام منذ ظهوره في بداية القرن التاسع عشر من طرف طبيب نفساني، تلميذ لكانط Kant. لكن، ليكن في علمكم أن مفهوم العظام لما بلغ ذروة انتشاره مع الطب النفسي الألماني، أصبح يغطي كل مظاهر الحمق تقريبا. سبعون في المئة من قاطني مستشفيات الأمراض العقلية كانوا يحملون لقب العظام. وهكذا فإن كل ما نسميه الأن ذهانا أو حُمقا كان يعتبر عظاما.
أما في فرنسا، فإن لفظة العظام لما تم إدخالها في تصنيفات الأمراض العقلية، وذلك في ظرف جد متأخر لم يتعدى الخمسين سنة الماضية، فقد تم ربطها بشيئ يختلف جذريا.
فعلى الأقل حتى مجيئ أطروحة المسمى جاك لاكان ومحاولتها بث اضطراب كبير في الأذهان - وإن كان هذا الإضطراب قد إنحصر على فئة ضئيلة من الإختصاصيين، لكنها كانت محاولة جد كافية حتى تجعلنا اليوم لا نتحدث عن الذهانيين كما كان عليه الحال في السابق - كان يتم تعريف العظامي بأنه إنسان شرير ومتعصب وقبيح الطبع، كله كبرياء وارتياب وحساسية ومبالغة في تقدير ذاته. هذه هي الخاصية التي كانت تشكل ركيزة تعريف العظام. وعندما يصبح العظامي أكثر عظامية، فإنه قد يَهذي. وهذه المقولة هي أبعد من أن تكون نتاج نظرية بحتة بقدر ما هي استتباب عيادي، وهو استتباب يتمتع بدقة عالية.
هذا هو بالاجمال، وبدون مبالغة مني، ماكان عليه الحال في فرنسا بعد نشر كتاب السيد جينيل-بيران Génil-Perrin حول البنية العظامية والذي رَجَّح المفهوم الطبْعي لإضطراب الشخصية. فهذا الاضطراب يتكون أساسا مما يمكن تسميته ببنية الطبع الشاذة. فعلى شاكلة الشخص الشاذ، قد يخرج العظامي عن حدوده، فيسقط في هذا الحمق البغيض والذي يتمثل في تلك المبالغة اللامتناهية لملامح طبعه الدنيء.
إن هذا المنظور يمكن اعتباره سيكلوجيا أو سيكلوجويا أو سيكلوجي نشئي بحيث أن كل الأدلة الشكلية التي تؤكد على مصدر عضوي لا تُغير من هذا المنظور في شيء. ففيه يتعلق الأمر حقيقة بنشأة سيكلوجية إذ يتم تحديد وتقدير شيئ ما على مستوى معين ثم يتبعه النمو بصفة متواصلة مع ما يميز ذلك من ترابط مستقل يكتفي بذاته في مجاله الخاص. ولهذا السبب نقول بأن الامر يتعلق هنا بمنظور سيكلوجي رغم رفض وجهة النظر هاته من طرف المؤلف نفسه.
لقد حاولت في أطروحتي إبراز وجهة نظر مغايرة. كنت أنذاك طبيبا نفسيا شابا ودخلت هذا المجال أساسا بفضل قراءة البحوث والتتلمذ المباشر وكذلك بعلاقتي المقربة لشخص لعب دورا كبيرا في الطب النفسي الفرنسي في هذه الفترة. إنه السيد دو كليرومبو de Clerambault الذي أشرتُ الى شخصه ونتاجه وتأثيره خلال هذه المذاكرة الافتتاحية.
فبالنسبة لمن ليست لهم عن أعماله سوى معرفة تقريبية أو بواسطة الأقاويل فقط، وهم موجودون فعلا، أقول بأنه من الممكن اعتبار السيد كليرومبو بوصفه المدافع الشرس عن المنظور العضواني المتشدد. فأغلب عروضه النظرية كانت تصب لا محالة في هذا المنحى. إلا أنني لا أظن أن الإنطلاق من هذا الاعتبار بوسعه أن يقودنا الى موقف حق، ليس فقط بخصوص التأثير الذي كان لشخصه ولتعاليمه وإنما أيضاً بخصوص البعد الحقيقي لإكتشافاته.
فبغض النظر عما تصبو أليه أعماله من أبعاد نظرية، فإن لها قيمة اكلينيكية واقعية. إن العدد هائل لتلك المتلازمات الإكلينيكية الي عاينها بشكل ابتكاري كلية والتي مازالت مدمجة في إطار الإرث المرتبط بالخبرة الطبنفسية. ثم إنه أتى بأشياء ثمينة لم يتم الوقوف عليها قبله ولم يتم الرجوع اليها بعده. وأقصد هنا دراساته حول الذهانات المترتبة عن التسمم. لذا أقول بكلمة واحدة بأن كليرومبو لايمكن تجاوزه أبدا في مجال الذهانات.
ففي أعمال كليرومبو وفي تعليمه، يبدو أن مفهوم الأوطوماتيكية العقلية automatisme mental يقتاده الى التمسك بالبرهنة على الخاصية اللافكرية anidéique أساسا، على حد تعبيره، والتي تميز الظواهر المتجلية خلال تطور الذهان ونموه. فهذا معناه عدم التطابق مع استرسال الأفكار. إلا أن هذا القول، مع الأسف، ليس له أكثر دلالة مما أتى به خطاب المعلم نفسه. ذلك أن هذا التحديد يحصل اعتمادا على قابلية مفترضة للفهم compréhensibilité. إن الرجوع المبدئي لهذه القابلية المفترضة يُستعمل قصدا لتحديد ما قد يُحدِث انقطاعا في المعنى حتى يظهر بذلك غير مفهوم.
إن هذه لَََََمقولة قد يبدو من المغالاة اعتبارها ساذجة بحيث ما من شك في أنه ليس هناك أكثر من هذه المقولة شيوعا وانتشارا بينكم، أو على الأقل لدى الغالبية منكم. فقد يتم الاعتقاد غلَطا بأن التقدم الاساسي الذي حققه الطب النفسي منذ إدماجه حركة الاستتباب والتقصي هذه، والمسماة بالتحليل النفسي، يتلخص في إعادة إدخال المعنى في إطار سلسلة الظواهر. فهذا ليس خطأُ بحد ذاته، أما الخطأ فيكمن في تخيل أن المعنى المراد به هو ما يمكن فهمه. لقد ظُنّ بطريقة عفوية داخل قاعات الحراسة بمستشفيات الامراض العقلية بأن ما تعلمناه من جديد بفضل التحليل النفسي هو فهم المرضى. إلا أن هذا ما هو الا محض سراب.
إن مفهوم الفهم هذا له دلالة واضحة جداً. إنه المنطلق الذي جعل منه ياسبيرز Jaspers، تحت إسم علاقة الفهم، ركيزة كل عطائه في علم النفس المرضي والذي سماه بعلم النفس المرضي العام. فهذا المفهوم يؤدي إلى التفكير بأن هناك أشياء مفهومة في حد ذاتها. فإذا حزن شخص مثلا، فمَرَدُّ ذلك إلى أنه لم يحصل على ما رغبت فيه نفسه. إلا أنه ليس هناك أبعد عن الصواب من هذا القول، ذلك لأن هناك أشخاص ملكت أيمانهم كل ما تصبو اليه قلوبهم إلا أنهم مع ذلك حزينون. فالحزن هو شغف من طبيعة مغايرة تماماً.
أريد أن أكرر. فأنتم عندما تصفعون طفلا فإنه من المفهوم أن يبكي، في حين لا أحد يفكر في أنه ليس من اللازم البتة أن يبكي. أتذكَّر ذلك الطفل الصغير الذي كلما صُفع يسأل : أهذه دعابة أم صفعة ؟
فعندما نقول له بأنها صفعة، فإنه يبكي وأما إن كانت هي مداعبة فهو منشرح مرِح. إن هذا لَشيئ مرتبط بالمعايير المعتادة وبالعرف المتداول. إلا أن هذا المعنى لا يستنفذ المسألة بكاملها. فعوض البكاء، هناك طرق عدة للرد على الصفعة، إذ يمكن فعلا ردُّها مثلا او على العكس، يمكن مد الخد الآخر أو يمكن أن نقول "إضرب، لكن استمع". فهناك إذن ردود فعل متنوعة ومختلفة جداً من الممكن وقوعها إلا ان هذا بالذات هو ما تم إغفاله في مفهوم علاقة الفهم التي وضحها السيد ياسبيرز.
وفي انتظار الحصة المقبلة، يمكنكم الإطلاع في كتابه على الفصل المعنون : "مفهوم علاقة الفهم" لتتوقفوا بسرعة على التناقضات التي تكتنفه. فهاهنا أيضاً تكمن فائدة خطابنا المسترسل.
إن مفهوم الفهم لا تتم الإشارة إليه إلا كعلاقة متموضعة دوما على الحدود. فكلما تم الاقتراب منها إلا وأصبحت بعيدة المنال. فالأمثلة التي يعتبرها ياسبيرز الأكثر تجليا بحيث يعتمد عليها أساسا الى درجة الخلط بينها وبين المفهوم ذاته وذلك بكل اضطرار وتسرع، هي بمثابة مراجع مثالية في حد ذاتها. إلا أن المثير حقا هو أنه لم يكن بإمكان ياسبيرز تجنب هاتة الأمثلة التي كانت الوقائع تضحضها دوما وأبدا، وذلك رغما عن قدرته الفائقة في الدفاع عن هذا السراب. فالإنتحار مثلا، بما أنه قد يشهد على ميول للإندثار والموت، بإمكان أي شخص أن يقول - وذلك اذا ما استدعيناه لهذا الغرض خصيصا - بأنه يحدث بكل سهولة وقت ذبول الطبيعة، أي في فصل الخريف. إلا أننا نعرف منذ زمان بأن عمليات الانتحار في فصل الربيع هي أكثر منها في فصل الخريف. فهذا أيضاً غير قابل للفهم، لا أكثر ولا أقل. فالإنبهار بكون عمليات الانتحار تكون في فصل الربيع أكثر منها في فصل الخريف، لا يمكن إلا أن يتكئ على هذا السراب المتفكك والذي يسمى بعلاقة الفهم وكأن هناك شيئ ما من هذا القبيل يمكن الإمساك به فعلا.
هكذا نتوصل بالتدريج الى اعتبار أن النشأة النفسية psychogenèse تتماها هنا مع إعادة إدخال هذه العلاقة المفترضة في صلتها بموضوع الطب النفسي. فهذا اعتبار يصعب تخيله لا لسبب إلا لأنه لا يمكن الأخذ به قطعاً. إلا أن هذا الاعتبار، ككل الاعتبارات التي لم يتم بعد حصرها في مفهوم قويم، تبقى في حالة افتراض ضمني كما بقيت علاقة الفهم مُضمرة في كل تغيرات الهالة التي طرأت على الطب النفسي منذ ثلاثين سنة. لذا، فإذا كانت هذه هي النشأة النفسية فإني أقول - لأن الغالبية منكم قادرين الآن على استيعاب ذلك خصوصا بعد سنتين من تعليمي حول الرمزي والتخيلي والواقعي. وأقوله أيضاً لهؤلاء الذين هم دون هذا المستوى - بأن سر التحليل النفسي الأكبر هو عدم وجود أية نشأة نفسية بالنسبة إليه. أما إذا كانت النشأة النفسية كما رأينا، فإن ذلك بالضبط ما يبعد عنه التحليل النفسي بكل حركته وبكل إلهامه وبكل فاعليته وبكل ما أتى به وبكل ما يقودنا نحوه وبكل ما يجعلنا راسخين حوله ومتمسكين به.
للتعبير عن هذه الاشياء بطريقة أخرى، وبطريقة بعيدة المدى، يمكن القول بأن ما هو سيكلوجي، فهو، إذا ما حاولنا تحديده عن قرب، مرادف للإيطولوجي والذي يتعلق بكل سلوكات الفرد ككائن بيولوجي في علاقته مع محيطه الطبيعي. إن في هذا لتعريف مشروع لعلم النفس إذ هناك ترتيب لعلاقات واقعية مع موضوع يُتوخى تحديده داخل مجال يتم حصر حدوده الى حد ما. إلا أن بناء موضوع علمي يستلزم المضي الى أبعد من ذلك. فبخصوص السيكلوجيا الانسانية، يمكن أن نقول ما قاله فولتير Voltaire بالنسبة للتاريخ الطبيعي، بأنها لست بطبيعية في شيئ. بل إنها، في مجمل القول، كل ما هو مضاد للطبيعة. فكل ما هو سيكلوجي في السلوك الانساني يخضع لإضطرابات جد عميقة ويتضمن مفارقات جد واضحة الى حد تستحيل فيه معرفة ما يمكن فعله حتى يتسنى التفريق بين الخيط الأبيض والأسود.
فإذا ما نسينا ما يميز التحليل النفسي وما يشكل بُعده الاساسي - علما بان هذا النسيان هو بطبيعة الحال الميل الدائب والملاحظ يوميا لدى المحللين النفسانيين - فإننا نتراجع الى أساطير من كل نوع، تكونت منذ زمن لم يتم تحديده بعد، وإن كان بالإجمال، يرجع الى أواخر القرن الثامن عشر. فهناك أساطير عدة منها أسطورة وحدة الشخصية وأسطورة التركيب وأسطورة الوظائف العليا والسفلى وهناك أيضاً خلط حول الآلية. فكل أشكال تنظيم المجال الواقعي هاته تبين في كل لحظة تكسير وتشتيت وتمزيق ونفي الاحداث وتبين كذلك تجاهل الخبرة الأكثر مباشرة.
بعد هذا القول، يجب ألا نخطئ. فأنا لست بصدد الحث على هذه الخبرة المباشرة التي تشكل ركيزة ما نسميه بعلم النفس وحتى مانسميه بالتحليل النفسي الوجودي. فليس للخبرة المباشرة من امتياز يمَكنها من إيقافنا وإبهارنا أكثر مما هو الحال في أي علم أخر. إنها ليست بتاتا وحدة القياس التي من خلالها نقيس التكوين الذي يتحتم علينا التوصل اليه في أخر المطاف. فالتعليم الفرويدي، بما هو هنا مطابق كلية لما يحدث في باقي المجال العلمي وبما هو مخالف للأسطورة التي تحدثنا عنها، يأخذ بالإعتبار أبعادا هي في ما وراء الخبرة المباشرة ولا يمكن الإمساك بها بتاتا بوسيلة حسية. فهننا نفس الحال كما في علم الفيزياء، بحيث أن ما يشد انتباهنا ليس هو اللون في حالته المحسوسة والمحددة بواسطة الخبرة المباشرة وإنما هو شيئ يتواجد خلفه ويعمل على تكوينه.
فالخبرة الفرويدية ليست قبل-مفهومية إطلاقا. إنها ليست خبرة محضة. إنها خبرة مبنية فعلا على شيئ اصطناعي وهو العلاقة التحليلية المكونة بواسطة البوح الذي يقدمه الفرد بين يدي المحلِّل وبما يقوم به هذا الاخير اتجاه هذا البوح. فكل ما يتم تركيبه وإنجازه في التحليل ينطلق من هذه الصيغة العملية الأولية.
من خلال هذا التذكير، يمكنكم التعرف على الأنظمة الثلاثة التي كثيرا ما أكدتُ حٌيالكم بضررورتها في فهم أي شيئ يتعلق بالخبرة التحليلية وهذه الأنظمة هي : الرمزي والتخيلي والواقعي.
أما الرمزي فلقد أبصرتموه عندما أشرتًُ وبطريقتين مختلفتين الى ماهو أبعد عن كل فهم. فبداخله يتم إدراج وتأطير كل فهم وهو يقوم بتأثير يترك اختلالا ملحوظا في علاقة الانسان بنفسه وعلاقته بالآخرين.
ولقد رأيتم التخيلي يبرز لما أشرتُ الى علم السلوك الحيواني والذي يُعنى بتلك الصور والأشكال الخلابة والخداعة والتي هي بمثابة السكك الحديدية التي تقود السلوك الحيواني الى أهدافه الطبيعية. إن السيد بييرون Piéron والذي ليست لنا به علاقة سمحاء، قد عنون أحد كتبه : "الإحساس، دليل حياة". إنه عنوان جميل جداً لكني لا أظن أنه ينطبق بالفعل على الإحساس بالقدر الذي يدعيه، زد على ذلك أن مضمون الكتاب لا يؤيد قوله بتاتا. أما ما هو صحيح في هذا المنظور يكمن في كون المجال التخيلي هو فعلا بمثابة دليل حياة بالنسبة لكل المجال الحيواني. أما إذا كانت الصورة تلعب أيضاً دورا أساسيا في مجالنا الانساني، فان هذا الدور يتم تناوله بصفة بَعدية، وتتم إعادة صياغته ثم إحياؤه بواسطة النظام الرمزي. فالصورة تكون دوما، قليلا أو كثيرا، مندمجة في هذا النظام الذي، كما أذكركم بذلك، يتحدد لدى الانسان بصفته كبنية منظَّمة.
فما الفرق ياترى بين ما يرتبط بالنظام التخيلي أو الواقعي وما يرجع للنظام الرمزي ؟ ففي النظام التخيلي أو الواقعي، نجدنا دوما أمام القليل أو الكثير، أمام عتبة أو هامش أو تتابع. أما في النظام الرمزي، فقيمة كل عنصر تحصل بكونه مضاداً لآخر.
فلنأخذ مثالا على ذلك من المجال الذي نحن بصدد استهلاله. لقد حكى لنا أحد مرضانا الذهانيين عن العالم الغريب الذي دخل فيه منذ مدة. فكل شيء أصبح علامة بالنسبة إليه. فهو ليس فقط مرَاقَب خِلسة ومُعايَن من طرف آخرين، ينظرون ويومؤون إليه، يتحدثون عنه ويتغامزون ضده، بل الأكثر من ذلك - وهنا سيبدو لكم حدوث الإلتباس- فإن هذا الإحساس سيجتاح حتى مجال الأشياء الواقعية، الغير الحية والغير الانسانية. لننظر الآن في هذه المسألة عن قرب. إنه إذا ما قابل سيارة حمراء في الشارع - والسيارة ليست شيأ طبيعيا - فإنه يبادر الى القول بأنها إن مرت هنا فإنما لغرض معين يتعلق به هو.
لنتساءل الآن بصدد هذا الحدس الهذائي. فلقد تكون لهذه السيارة دلالة عند الذهاني إلا أنه غير قادر علي تحديد ماهيتها : هل تواجد هذه السيارة مُواتٍ أم هو مهدِّد ؟ إنها إن تواجدت هنا فذلك في نظره من أجل غرض ما على كل حال.
وكذلك بخصوص ظاهرة أقل تمايزا وتحديدا كهاته، يمكن أن نحصل على ثلاث تصورات مختلفة تماماً. فيمكننا النظر لهذه المسألة من زاوية الاضطراب الإدراكي. ولا تعتقدوا أننا قد ابتعدنا الأن عن هذا المنظور. ففي فترة ليست ببعيدة كان السؤال يطرح على هذا المستوى لمعرفة ما يُحسه ويختبره الشخص المعتوه بصفة أساسية ومبدئية. فربما قد يكون دلتونيا بحيث يرى الأحمر أخضرا أو العكس، وربما قد لا يملك القدرة على التفريق بين الألوان.
يمككنا أيضاً النظر لعلاقته بهذه السيارة الحمراء على مستوى ما يحدث عندما يلتقي عصفور أبي الحِني بصفور آخر من فصيلته فيعرض عليه صدريته التي يستمد منها إسمه Rouge-gorge. فلقد بينتْ الدراسات بأن لباس العصافير هذا يتناسب مع حراسة حدود مجالهم الخاص وأن الإلتقاء في حد ذاته كاف لتحديد سلوك معين قبالة الخصم. فاللون الأحمر له هنا وظيفة صورية يتم ترجمتها، في إطار نظام علاقات الفهم تحديدا، بكون هذا اللون الأحمر قد جعل الشخص يرى شرّاً. إنها وظيفة تجعله يعتقد أن هذا اللون في حد ذاته يحمل السمة المعبرة عن العداوة أو الغضب بشكل مباشر.
وفي الأخير، يمكننا فهم السيارة الحمراء داخل النظام الرمزي بنفس المعنى الذي نفهم به اللون الأحمر في إطار لعبة الورق بأنه مضاد للون الأسود وبأنه يندمج في لغة منظَّمة قبْليا. فها هي ذي الأنظمة الثلاثة مميَّزة فيما بينها كما تم التمييز بين المستويات الثلاثة التي يمكن لفهمنا الافتراضي للظاهرة الأولية Phénomène élémetaire أن ينخرط فيها.
2
2
إن التجديد الذي أدخله فرويد عندما تناول العُظام كان أكثر تجلي ولمعان منه في أي موضوع آخر، وذلك لأن هذا التجديد قد ابتعد بوضوح أكثر عن الخطابات المعاصرة له حول الذهان. فنحن نرى فرويد هنا يتصرف مباشرة بجرأة تتمتع بصفة الإبتكار المطلق. ومما لا ريب فيه، فإن تفسيره للأحلام هو أيضاً من باب الإبتكار. ومهما قيل بأنه قد تم الإهتمام بمعنى الحلم قبله، إلا أن هذا الإهتمام ليست له أي صلة إطلاقا بهذا العمل الريادي الذي هو امام أعيننا.
فالقصد هنا ليس فقط التوصل الى القول بأن الحلم يعبر عن شيئ ما، ذلك أن المسالة الوحيدة التي كانت تهم فرويد تنحصر على التركيبة التي يُعبر الحلم عبرها عن شيء، وذلك على واترة الكلام. فهذا ما لم يتم أبدا استجلاؤه. لقد تم الوقوف على ان للحلم معنى، ويمكن أن نقرأ فيه هذا المعنى أو ذاك، الا أن ما لم يتم الوقوف عليه هو أن الحلم يتكلم.
لنتقبل فرَضا بأن اقتراب فرويد للحلم كان قد تم إعداده من طرف تلك الممارسات الساذجة التي سبقت محاولته، إلا أن الطريقة التي تعامل بها مع شريبرSchreber لم يسبق لها مثيل. فماذا فعل ياترى؟ إنه أخذ كتاب شخص عظامي - ذاك الكتاب الذي نصح بقراءته وهو بصدد خط مؤلفه قائلا : "لا تفرطوا في قراءته قبل أن تقرأوني" - لقد أخذ هذا الكتاب وفك رموزه فكاً شامبوليونيا. إنه فك رموزه بالطريقة التي يتم بواسطتها فك الهيروغليفات.
فمِن بين الإنتاجات الادبية من نوع المرافعة، ومن بين مداخلات أولائك الذين، بتخطيهم الحدود، حدثونا عن تلك التجربة الغريبة التي يعيشها الذهاني، فإن مؤلف شريبير يبقى طبعا من أبرزها. فههنا تتجلى لقيى خارقة للعادة بين عبقرية فرويد وبين كتابٍ فريدٍ من نوعه.
أقول عبقرية. نعم، لقد حصل من قِبل فرويد فعلٌ عبقريٌ حقيقي ليس بمَدين البتة لأي استشفاف حدسي. إنه الفعل العبقري لإختصاصي اللغة الذي عندما يرى بروز نفس العلامة تتكرر عدة مرات في نص معين فإنه ينطلق من فكرة أن هذا الحدث لا بد أن يكون له معنى ثم إنه، انطلاقا من ذلك، يتمكن من اعادة تركيبة استعمال كل علامات هذه اللغة. إن التماهي المذهل الذي استنبطه فرويد بين "العصافير السماوية" وبين "الفتيات" ينخرط في هذا المضمار. إنه افتراض رائع يُمَكن من إعادة تركيبة سلسلة النص بكاملها. إنه يُمَكن ليس فقط من فهم العلامات الدلالية المتواجدة، بل وأكثر من ذلك، فإنه يمكن من إعادة تشكيل اللغة في حد ذاتها، هذه اللغة المركزية التي يحدثنا شريبر عنها. فههنا، أكثر من أي مجال آخر، يتجلى التأويل التحليلي بكونه رمزيا، بالمعنى المبَنيَن للكلمة.
إنها بالفعل قراء رائعة. لكن يجب الأحتياط منها إذ أنها تُبقي بمجالي الذهانات والأعصبة على نفس المستوى. فإذا كان تطبيق الطريقة التحليلية لا يعطي أكثر من قراءة رمزية، فإنه سيبدو غير قادر على تبيان التفرقة بين المجالين. لهذا فإن القضايا موضع بحثنا هذه السنة تتعدى هذا المستوى.
إنه لمن الجلي أننا داخل النظام الرمزي مادمنا بصدد خطاب مكتوب لرجل مسلوب العقل. لكن ماهي مادة هذا الخطاب ؟ وعلى أي مستوى يجرى المعنى الذي قرأه فرويد ؟ ومن أين تم استجلاب عناصر التسمية المكونة لهذا الخطاب ؟ يمكن القول بصفة عامة بأن بدن الشخص هو ما يشكل هذه المادة.
إن علاقة الانسان ببدنه تميز لديه مجالا لا يمكن اختزاله وإن كان ضيقا ؛ إنه المجال التخيلي. فإذا كان لدى الانسان ما يطابق الوظيفة التخيلية كما هي فاعلة عند الحيوان، فهو كل ما يرجعه بطريقة تلقائية، وإن كانت أبدا غير ملموسة، الى الشكل العام لبدنه حيث يتم تسمية هذه البقعة أو تلك بالشبقية. فهذه العلاقة الممتدة دوما على حدود المجال الرمزي، لايتم الوصول الى أبعد حدودها الا بواسطة الخبرة التحليلية. فهذا هو ما يبينه لنا التحليل الرمزي لحالة شريبر إذ لا يمكننا تعمقها الا بدخولها من بوابة النظام الرمزي.
3
إن القضايا المطروحة تدور بالتمام حول المفاهيم ذات الفعالية داخل مجالنا المراسي. لقد أصبح متداولا القول بأن اللاشعور في الذهان يبرز على السطح بمثابة شعور. ولهذا تم الإعتقاد بأن العمل على تركيب اللاشعور في التحليل لا يجدي نفعاً. فمن خلال هذا المنظور، القيِّم في حد ذاته، يمكن القول بأن اللاشعور لا يستمد فعاليته، كما أكد ذلك فرويد، من خلال هذه الميزة السلبية التي تجعل منه مضادا للشعور. أما نحن وانطلاقا من قراءتنا لفرويد، فإننا نقول بأن اللاشعور بمثابة لغة. وإن كان مبنينا ومترابطا فذلك لا يعني أنه معترف به. والدليل على ذلك هو أن فرويد يتعامل معه وكانه يترجم لغة أجنبية بل وكأنه يعيد تَركيب هذه اللغة بعد تفكيك جزئياتها. فبالنسبة للغته يكون الفرد بكل بساطة في نفس موقع فرويد. وإذا كان من الممكن أن يتحدث شخص ما بلغة يجهلها تماماً، فبوسعنا القول بأن الذهاني يجهل اللغة التي يتكلمها. فهل هذه الاستعارة كافية ؟ طبعا لا، ذلك أن السؤال الحقيقي ليس هو معرفة لماذا هذا اللاشعور المتواجد هنا، والمترابط قبالتنا، يبقي مقصيا من طرف ذات المريض وغير متحمل لديها، وإنما يكمن في معرفة لماذا يتمظهر في الواقعي.
أتمنى أن يكون بينكم من يتذكر التعليق الذي قدمه لنا السيد جان هيبوليت Jean Hyppolite حول مفهوم الإنكار La Verneinung. وإني أتأسف لعدم حضوره بيننا هذا الصباح، الشيء الذي يمنعني من التأكد بعدم تشويه مضمون الملاحظات التي عمل على استخلاصها.(20)
فالذي ينجلي بكل وضوح في تحليله لهذا النص الأخاذ هو أن ماهو لاشعوري ليس كله مكبوتا، بمعنى أنه قد تم تجاهله من طرف الذات بعد أن حصل النطق به. وإنما يجب التسلبم بوجود عملية قبول أولية Bejahung primordiale، قبول بالمعنى الرمزي كامن خلف سيرورة الكلام والذي من الممكن أن ينعدم وقوعه.
تتقاطع هذه النقطة مع نصوص أخرى وبالخصوص مع مقتطف جلي للغاية يتعرض فيه فرويد لظاهرة الإقصاء التي يبدو استعمال لفظ الإلغاء Verwerfung صالحا بصددها والتي تختلف عن ظاهرة الإنكار التي تحدث في مرحلة جد متأخرة. فقد يحدث لشخص أن يرفض إدماج شيء في عالمه الرمزي رغم أنه قد تم اختباره، وما هذا الشيء بهذه المناسبة إن هو إلا خطر الإخصاء. وكل التطور المتلاحق يبين أن الذات لا تريد أن تعرف عنه شيئا بصفته مكبوتاً كما يقول فرويد بالحرف.
إلا أن كل ما يختفي تحت قبضة الكبت يتم انجلاؤه وذلك لأن الكبت ورجوع المكبوت هما وجهان لشيء واحد. إن المكبوت حاضر دائماً ويعبر عن نفسه بطريقة جد مركبة في الأعراض وفي ظواهر عدة. وعلى العكس، فكل ما يسقط تحت قبضة الإلغاء فله قدَر مختلف تماماً.
وبهذا الخصوص، ليس من غير المفيد أن أذكركم بالمشابهة التي أقمتها العام الماضي بين بعض ظواهر النظام الرمزي وبين ما يحدث في هذه الآلات العصرية التي لا تتكلم بعدُ كلية والتي لا محالة ستفعله عما قريب. فقد يتم إطعامها ببعض الأرقام الصغيرة ثم يُترجى منها إمدادنا بحسابات كان من المفروض إنتظار مائة ألف سنة للحصول عليها. إلا أنه لا يمكننا إدخال أي شيء في برنامج هذه الآلة إلا توافقا مع تراتب وظيفتها وإلا فسيتم إبطاله لعدم إمكانية إدراجه. يمكننا إذن الاحتفاظ بهذه الصورة في حين يجب إضافة ان كل ما تم رفضه في النظام الرمزي، بمعنى الإلغاء، فإنه يتمظهر في الواقع من جديد.
إن نص فرويد بهذا الخصوص يبعد عن كل التباس. وكما تعلمون فإن الأمر يتعلق برجل الذئاب الذي أبدى ميولا وخصائص ذهانية، ولقد أبان عن ذلك في ذهانه الوجيز الذي حصل له بين نهاية علاجه مع فرويد ولحظة إعادة إخضاعه للمراقبة. إن رفضه أي ولوج للاخصاء - وإن كان هذا الولوج متجليا في تصرفاته - وأي ولوج الى مستوى الوظيفة الرمزية، ثم إن عدم إمكانيته أي تحمل للإخصاء بضمير المتكلم، له ارتباط وثيق بالهلوسة الوجيزة التي حصلت له أثناء الطفولة والتي روى تفاصيلها بدقة فائقة.
فالمشهد هو كالآتي: كان يلعب بموسى وكاد أن يقطع أصبوعه لو لم يبق مشدودا بقليل من الجلد. لقد روى هذا الحادث في أسلوب وكأنه يعيشه اللحظة وبذلك يبدو أن كل رصد لديه لمعالم الزمن قد اختفى. بعد ذلك، جلس على مقعد بجوار مربيته التي كانت تقاسمه فعلا أسرار أستطلاعاته الجنسية الأولية. إلا أنه لم يتجرأ على محادثتها في الامر. كم هو ذو دلالة تعليقُ القدرة عن الكلام هذا، خصوصا صوب الشخص الذي كان يحادثه في كل شيء، وفي أشياء من هذا القبيل بصفة خاصة. لقد انفتحت هنا هوة، حدث انزلاق زمني ووقع انكسار في الخبرة. بعد ذلك، حصل وكأن شيئا لم يحصل. وبما أن ما حصل قد فات وانتهى، فلنسكت عن الكلام إذن. إن العلاقة التي يقيمها فرويد بين هذه الظاهرة وبين هذا التعبير المتميز جداً : "لا معرفة بالشيء ولو بمعنى المكبوت" كما هو معبر عنه في النص، يمكن قراءتها على الشكل التالي: كل ما رُفض في النظام الرمزي، تتم معاودة بروزه في الواقعي.
إن هناك علاقة وثيقة، من جهة، بين الإنكار وبين البروز من جديد على المستوى الفكري المحض لما لم يتم إدماجه من طرف الذات، ومن جهة أخرى، بين الإلغاء وبين الهلوسة وذلك بمعنى الظهور من جديد في الواقعي لما تم رفضه من طرف الذات. إن لهذه المسألة تشكيلات متنوعة وعلاقات مختلفة.
فبماذا يتعلق الامر في ظاهرة الهلوسة ؟ يكمن منبع هذه الظاهرة في ما سنسميه مؤقتا بسيرورة الذات في المجال الرمزي. لست أدري إن كنت سأحتفظ دوما باتلاف الألفاظ هذا الذي أعتمده الآن، لأن كل سيرورة هي رمزية في حد ذاتها. لكن لنحتفظ مؤقتا بهذا التعبير. إلا أن الفرق الاساسي هو كالآتي: إن منبع المكبوت العصابي لا يقع في نفس المستوى من سيرورة الذات في الرمزي كما هو الحال بالنسبة للمكبوت الذي يخص الذهان وإن كانت علاقات وثيقة تربط المضامين فيما بينها. إن هذه التفرقة تحمل لوحدها مفتاحا يُمكن من وضع المسألة بشكل أكثر سهولة مما تم فعله حتى الآن.
نفس الشيء كذلك بخصوص الخطاطة التي قدمتها لكم السنة الماضية فيما يتعلق بالهلوسة اللفظية.
أذكركم بأن خطاطتنا هذه تجسد انقطاع الكلام الممتلئ بين الذات والآخر الأكبر l'Autre ثم تعرج هذا الكلام بالأنانين، أ و أ' وبعلاقاتهما التخيلية. هكذا يتم إبراز لدى الذات بُعد ثلاثي يطابق كون الانا هو الذي يخاطب شخصا آخر عن نفسه وعن الذات، ذ، في محل الغائب. لقد أثار أرسطو الإنتباه الى أنه يلزم عدم القول بأن الشخص يفكر وإنما يلزم القول بأنه يفكر بروحه. وعلى هذا القبيل أقول بأن الذات تتخاطب بواسطة أناها. إلا أن التخاطب بواسطة الأنا لا يبدو جلياكلية لدى الفرد العادي. فعلاقته بأناه جد ملتبسة بالأساس، وكل إعلاء للأنا من الممكن إنقاصه. أما لدى الشخص الذهاني، على العكس، فإن بعض الظواهر الأولية وخصوصا الهلوسة التي تشكل العنصر المتميز داخل هذه الظواهر، تبرز لنا المريض إما متوحدأ كلية بأناه الذي يدخل معه في الحديث وإما بتقمصه الأنا كيلة على النمط الأداتي. إنه هو من يتكلم عن نفسه، عن ذ، بكلا المعنيين الملتبسين لللفظ. إن هذا ما يحدث في ظاهرة الهلوسة اللفظية. فعندما تبرز في الواقعي بمعنى أنها تكون مرفوقة بإحساس الواقعية، هذا الإحساس الذي يشكل الخاصية المركزية للظاهرة الأولية، فإن الذات تتحدث بالحرف مع أناها وكأن شخصا أخر مرادفا يتكلم ويعلق على تصرفاتها.
أذكركم بأن خطاطتنا هذه تجسد انقطاع الكلام الممتلئ بين الذات والآخر الأكبر l'Autre ثم تعرج هذا الكلام بالأنانين، أ و أ' وبعلاقاتهما التخيلية. هكذا يتم إبراز لدى الذات بُعد ثلاثي يطابق كون الانا هو الذي يخاطب شخصا آخر عن نفسه وعن الذات، ذ، في محل الغائب. لقد أثار أرسطو الإنتباه الى أنه يلزم عدم القول بأن الشخص يفكر وإنما يلزم القول بأنه يفكر بروحه. وعلى هذا القبيل أقول بأن الذات تتخاطب بواسطة أناها. إلا أن التخاطب بواسطة الأنا لا يبدو جلياكلية لدى الفرد العادي. فعلاقته بأناه جد ملتبسة بالأساس، وكل إعلاء للأنا من الممكن إنقاصه. أما لدى الشخص الذهاني، على العكس، فإن بعض الظواهر الأولية وخصوصا الهلوسة التي تشكل العنصر المتميز داخل هذه الظواهر، تبرز لنا المريض إما متوحدأ كلية بأناه الذي يدخل معه في الحديث وإما بتقمصه الأنا كيلة على النمط الأداتي. إنه هو من يتكلم عن نفسه، عن ذ، بكلا المعنيين الملتبسين لللفظ. إن هذا ما يحدث في ظاهرة الهلوسة اللفظية. فعندما تبرز في الواقعي بمعنى أنها تكون مرفوقة بإحساس الواقعية، هذا الإحساس الذي يشكل الخاصية المركزية للظاهرة الأولية، فإن الذات تتحدث بالحرف مع أناها وكأن شخصا أخر مرادفا يتكلم ويعلق على تصرفاتها.
إن هذا ما قادتنا إليه هذه السنة محاولتنا لتحديد مختلف أشكال الذهان بالنسبة للمجالات الثلاثة : الرمزي والتصوري والواقعي. إن هذه المحاولة ستمكننا من تدقيق الوظيفة الحقة التي يمكن إعطائها للأنا داخل العلاج التحليلي. وهكذا فإن العلاقة بالموضوع تبدأ في الظهور للعيان.
إن الإستعمال الحالي للعلاقة بالموضوع في إطار علاقة تحليلية يتم فهمها بأنها ثنائية، ينبني على تجاهل استقلالية النظام الرمزي، الشيء الذي يؤدي الى الخلط بين المستوى التخيلي والمستوى الواقعي. لكن العلاقة الرمزية لن يتم إبعادها رغم ذلك، بحيث أننا نستمر قي الكلام، بل إننا لا نفعل سوى ذلك. إلا أن ما يحدث نتيجة هذا التجاهل هو أن كل ما يتطلب الإعتراف به لدى الذات على مستوى التبادل الرمزي الحقيقي والذي يصعب التوصل اليه نظرا للتشويش الدائم عليه، يتم إبداله بمجرد اعتراف بالتصوري وبالهوام. إن ترسيما كهذا لكل ما يتعلق بالتخيلي لدى الذات إنما يجعل من التحليل غرفة انتظار نحو الحمق ولن يبق لنا الا أن نُعجب بكون كل هذا لا يؤدي الى حمق أعمق. إن هذا الحدث بلا ريب، يدلي بما فيه الكفاية بأن الحمق كي يحصل لابد من استعداد معين، أو على الاقل لابد من شرط معين.
لقد حدث أن سألني شاب وسيم كنت أشرح له بعض المسائل البسيطة في فيينا، إن كنت أعتبر أن أصل الذهانات عضوي أم لا. فقلت له بأن هذه المسالة قد تقاضى عليها العهد وأنني لا أفرق بين النفسي والفيزيولوجي منذ زمن وانه بالفعل "لا يصبح أحمق من يريد" كما كتبت ذلك على جدار قاعة الحراسة منذ ذلك الزمن البعيد والعتيق. ومع ذلك يبقى أن تسيير العلاقة التحليلية بطريقة تعمل عل ترسيم التخيلي وإبدال الإعتراف على المستوى الرمزي بالاعتراف على المستوى التخيلي، هو مصدر تلك الحالات المألوفة والمتعلقة بالإنبثاق السريع للهذاء الذي قد يتصلب ويدوم أحيانا. فكون التحليل قد يؤدي في أولى لحظاته الى انبثاق الذهان هو شيئ ملحوظ الا أن إي أحد لم يقدم حتى الان على تفسير ذلك. فهذا الانبثاق مشروط فعلا باستعدادات الذات إلا أنه يرجع أيضاً الى التسيير المتهور للعلاقة بالموضوع.
